وهذا بعيد ، فإن الجهة هناك واحدة ، واختلفت الجهة فيما نحن فيه ، والأصل نفي الاتحاد بين الجهتين وتوفير مقتضى كل علة عليها ، إلا ما كان مستثنى في حق الإخوة ، والنافي منفي على أصله.
إذا ثبت الحكم في هذه المسائل فقد قال تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ) «1» ، قدم الوصية على الدين في ثلاثة مواضع.
نعم أفاد بقوله: «أو» نفي اعتبار جمع الأمرين ، فإنه لو قال:
«من بعد وصية ودين» بالعطف ، لا أحتمل أن يقال: يعتبر وجود الأمرين ، وإذا قال: «أو دين» ، علم به أن اجتماعهما لا يعتبر ، ومثله قوله تعالى: (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً) «2» ، أي لا تطعهما ولا كل واحد منهما ، ومثله قول القائل: جالس الحسن أو ابن سيرين ، هو أما بمجالستهما أو مجالسة أحدهما ، فإذا قال: جالس الحسن وابن سيرين ، احتمل أن يكون قد أمر بمجالستهما مجتمعين ومنفردين.
يبقى أن يقال: إنه تعالى قدم الدين على الوصية.
فيقال: إن المراد به استثناؤهما من جملة الميراث ، وهما بالإضافة إلى التركة واحد ، فإنهما مقدمان على حق الورثة ، وليس يظهر أثر التقديم بالإضافة إلى الورثة ، وإنما تتفاوت الوصية والدين في أنفسهما عند قطع النظر عن حق الورثة ، وليس في الآية تعرض لذلك ، وهذا بين ، وكأنه تعالى ذكر الوصية قبل الدين ، لأن الوصية أغلب وأكثر من الدين ، فإنه قد يموت كثير ولا دين عليه ، ولا يموت الإنسان غالبا إلا ويكون
(1) سورة النساء آية 11.
(2) سورة الإنسان آية 24. []