وغاية ما يقال فيه أن عصوبة الأب غير متمحضة ، بل هي عصوبة مشوبة بجهة الولادة ، ولذلك يجمع له بين الفرض والتعصيب ، فيجوز أن يكون جهة العصوبة بالابن الذي هو أولى العصبات ، وأما تعطيل جهة الولادة فلا ، وإذا لم يعطل جهة الولادة حال كونه عصبة ، ولم تتمحض عصوبته ، تعلق به على كل حال أن لا تفضل الأم على الأب مع تساويهما في الولاية ، بل يراعى في حق الأب جهة الولادة وجهة العصوبة جميعا ، وذلك يقتضي تفضيله عليها ، فهذا منتهى الممكن في نصرة مذهب جماهير العلماء.
ونظر ابن عباس جلي جدا ، وينشأ منه أن الجم الغفير إذا خالفوا النظر الجلي فلا يخالفون إلا بالتوقيف.
ويمكن أن يقال في مقابلته: وابن عباس إذ أظهر الخلاف ، كان من الواجب أن يحتج عليه بذلك التوقيف ، ولم يثبت ذلك ، فهو مشكل والعلم عند اللّه تعالى.
وحاصل نظر الجمهور يرجع إلى أنه إذا وجب أن يبدأ بالزوجة أو الزوج ، ويعطي كل واحد منهما نصيبه ، فزال الفرض المنصوص لهما بالزوج والزوجة ، لأن المنصوص لهما إذا لم يكن زوج ولا زوجة ، فإذا أعطيناهما حقهما نظرنا إلى ما يبقى بعد ذلك ، فيجعل بمنزلة جملة المال الذي لا فرض فيه لأحد الأبوين ، فيقسم بينهما ، فيعطي الأم ثلثه ، ويعطي الأب ما بقي ، لأن النقيصة لما دخلت عليهما من قبل الزوج أو الزوجة ، وجب أن تكون داخلة عليهما على قدر حصصهما إذا لم يكن الأب في هذا الموضع بمنزلة العصبة الذين تبدأ بأهل الفرض ، ثم يعطون ما بقي لأن أولئك غير مسمين ، والأبوان إذا كانا هما الوارثان ففرض كل واحد منهما معلوم ، فلما دخل عليهما فرض الزوج والزوجة دخل على كل واحد منهما بقدر حصته.