فإن قيل: فالبالغة يجوز التزوج بها بدون مهر المثل برضاها ، فأي معنى لذلك الجواب؟
يقال إن معناه أن يستضعفها الولي ويستولى على مالها ، وهي لا تقدر على مقاومته ، ولذلك قال:
(إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ) «1» .
ولما ثبت أن المراد باليتيمة البالغة ، ولم يكن في كتاب اللّه دلالة على جواز تزويج الصغيرة ، لا جرم صار ابن شبرمة إلى أن تزويج الآباء للصغار لا يجوز ، وهو مذهب الأصم ، لأن نكاح الصغيرة يتخير «2» بتفويت من غير تعجيل مصلحة ، على ما قررناه في تصانيفنا في مسائل الخلاف ، وإذا ثبت ذلك فلا يجوز ذلك تلقيا من القياس ولا توقيفا.
وقد قال قائلون: بل في كتاب اللّه ما يدل على جواز تزويج الصغيرة ، فإن اللّه تعالى يقول:
(وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) «3» .
(1) سورة النساء الآية 98.
(2) أي يختار ، والمراد يتم ويتحقق ، إذا أخترنا القول بصحته بتفويت حقها في الاختيار عن رضا واقتناع بعد البلوغ ، وفي المبسوط بسط لرأي ابن شبرمة والأصم ، أنه لا يزوج الصغير والصغيرة حتى يبلغا ببيان السبب فيه ، وهو قوله تعالى: (حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ) ، فلو جاز التزويج قبل البلوغ لم يكن لهذا فائدة ، ولأن ثبوت الولاية على الصغير لحاجة المولى عليه ، حتى ان فيما لا تتحقق فيه الحاجة لا تثبت الولاية كالتبرعات ، ولا حاجة بهما إلى النكاح ، لأن مقصود النكاح طبعا هو قضاء الشهوة ، وشرعا النسل ، والصغر ينافيهما ، ثم هذا العقد يعقد للعمر وتلزمهما أحكامه بعد البلوغ. []
(3) سورة الطلاق الآية 4.