قال: أجد واللَّه مسْكة على قلبي ما أراها إلا علَّة الموت ، قالوا: كلا ، بل البقاءُ والعافية ، قال: فبكى وقال: أنتم أخلائي
وإخواني فما لي عندكُم ؟ قالوا: مُرْنا بما أحببتَ.
قال: فأمر بالشراب فأُهريق ، وبالملاهي فأخرجت ، ثم قال: اللَّهُمَّ إني أشهدُك ومن حضر من عبادِك أني تائبٌ إليك من جميع ذنوبي ، نادم على ما فرطَّت أيام مُهلتي ، وإياك أسالُ إن أقلْتَنِي أن تُتِمَّ عليَّ نعمتك بالإنابةِ إلى طاعتِك ، وإن أنت قبضتني إليك أن تغفرَ لي ذنوبي تفضلاً منك عليَّ.
واشتدَّ به الأمرُ فلم يزلْ يقول: الموتُ واللهِ ، الموتُ واللَّهِ ، حتى خرجتْ نفسُه فكان الفقهاء يرون أنه مات على توبة.
وروى الواحدي في كتابِ"قتلى القرآنِ"بإسنادٍ له ، أن رجلاً من أشراف
أهلِ البصرةِ كان مُنحدرًا إليها في سفينةٍ ومعه جاريةٌ له ، فشربَ يومًا ، وغنَّتَهُ
جاريته بعودٍ لها ، وكان معهم في السفينة فقير صالحٌ ، فقال له: يا فتى
تُحسِنُ مثل هذا ؟
قال: أُحْسِنُ ما هو أحسن منه ، وكان الفقيرُ حسنَ الصوت.
فاستفتح وقرأ: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا(77) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ).
فرمَى الرَّجُلُ ما بيده من الشرابِ في الماء ، وقال: أشهدُ أن هذا أحسنُ مما سمعت ، فهل غير هذا ؟
قال: نعم فتلا عليه: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) الآية ، فوقعت
من قلبه موْقعًا ، ورمَى بالشرابِ وكسر العُودَ ، ثم قال: يا فتى هل هنا فرجٌ