وأجيب بأن المراد كما أوحينا إليهم في التوحيد ونحوه من قواعد الأصول ردا على تثليث النصارى المذكورين قبل هذه الآية وبعدها بدليل: {وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (48) [المائدة: 48] والجمع بينهما بما ذكرناه من استواء الشرائع في الأصول التي لا تقبل التغيير دون الفروع التي تقبله.
{وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً} (164) [النساء: 164] يحتج به الصوتية على أنه كلمه بحرف وصوت، ووجهه أنه أكد الفعل بالمصدر إرادة لحقيقة الكلام وهو بالحرف والصوت.
احتج الآخرون بما سبق، وبأنه إنما أكده بالمصدر لئلا يظن أنه كلمه إلهاما أو في الرؤيا أو نحو ذلك، وتأوله بعض المعتزلة على أنه كلّمه بإظهار المحن من الكلم وهو الجرح، بدليل: {إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ}
تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (40) [طه: 40] وهو ضعيف بعيد.
{رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً} (165) [النساء: 165] يحتج به على أن الله - عز وجل - لو لم يرسل الرسل إلى خلقه لم تقم حجته عليهم.
ونظير ذلك: {وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى} (134) [طه: 134] .