ويوضح هذا: أن مثنى بمعنى اثنتين، وثُلاث بمعنى ثلاث. فأما من أجاز تزويج تسع بهذه الآية
فمخطئ، لأنه لو كان كذلك لما جاز أن يتزوج دون تسع، وأيضاً فلو أراد الله تعالى ذلك لقال: فانكحوا
تسعاً؛ لأنَّ هذا التكرار غي، وتسع أخصر منه، وهذا على طريق التخيير لا للإيجاب.
قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(26)
يُسأل عن دخول (اللام) في قوله (لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) ؟
وفيها ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن معناها (أن) و (أنْ) تأتي مع (أردت: أمرت) ؛ لأنَّها تطلب الاستقبال (لذا)
استوثقوا لها باللام، وربما جمعوا بين (اللام) و (كي) لتأكيد الاستقبال، قال الشاعر:
أَردتَ لِكَيْما لَا تَرَى لِيَ عَثْرَةً، ... ومَنْ ذَا الَّذِي يُعْطَى الكَمال فيَكْمُلُ؟
ولا يجوز أن تقع (اللام) بمعنى (أنْ) مع الظن؛ لأنَّ الظن يصلح معه الماضي والمستقبل، نحو:
ظننت أن قمت، وطننت أن تقوم، وهذا قول الكسائي والفراء، وأنكره الزجاج، وأنشد:
أَرَدْتُ لِكَيْما يَعْلَم الناسُ أَنها ... سَراوِيلُ قَيْس، والوُفُودُ شهودُ
قال: ولو كانت (اللام) بمعنى (أنْ) لم تدخل على (كي) كما لا تدخل (أنْ) على (كي) ، قال:
ومذهب سيبويه وأصحابه أن (اللام) دخلت هاهنا على تقدير المصدر، أي: الإرادة للبيان. نحو قوله
تعالى: (إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) و (رَدِفَ لَكُمْ) ، وقال كثير:
أُريدُ لأَنسى ذِكرَها فكأَنما ... تَمثَّلُ لِي لَيْلى بكلِّ سبيلِ
أي: إرادتي لهذا، وهذا الجواب الثاني.
والجواب الثالث: أن بعض النحويين ضعف هذين الوجهين بأن جعل اللام بمعنى (أنْ) لم يقم به حجة
قاطعة، وحمله على المصدر يقتضي جواز: ضربت لزيد، بمعنى: ضربت زيداً، وهذا لا يجوز، ولكن يجوز
في التقديم والتأخير، نحو: لزيدٍ ضربت. وللرؤيا تعبرون؛ لأن عمل الفعل في التقديم يضعف كعمل
المصدر في التأخير، ولذلك لم يجز إلا في المتصرف، فأما (رَدِفَ لَكُمْ) فعلى تأويل: ردف ما ردف
لكم، وعلى ذلك: يريد ما يريد لكم.