رد على الجهمية ، إذ قوله: (وَهُوَ خَادِعُهُمْ) لا محالة رد لقولهم ، وإبطال لفعلهم وتثبيت لفعله ، ولا يخلو العدل المضاف إليهم من مجاز أو حقيقة في الإخبار ، فإن كان حقيقة فجوابه أحق بالحقيقة منه ، وإن كان مجازا فلا ذنب لهم فيه ، ولا يستوجبون عقوبة عليه ، وهذا لا يجوز توهمه فكيف تقوله ولا ثالث له ، !
قوله: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا(143)
حجة على القدرية والمعتزلة.
قوله (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا(155 ) )
حجة على المعتزلة والمرجئة.
فأما على المعتزلة فقوله: (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا) ولم يقل: تطبعت وأما
على المرجئة: فذكر قلة الإيمان ، وما كان له قليل كان له كثير وصار ذا أجزاء.
حجة علما الجهمية:
وقوله: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا(164 ) )
حجة على الجهمية وهي من
كبار الحجج عليهم.
ويحتجون بأن الكلام منه على المجاز ، والمجاز لا يؤكد بالمصدر ، وقد أكده - جل وعلا - كما ترى ، فجاء بالتكليم.
ولقد بلغني عن بعض المتحذلقين من أستاذيهم أنه لما نظر إلى ما يلزمه
في هذه الآية من تأكيد المصدر تطرق إلى تأويل أقبح من المجاز ، فقال: معنى كلمه ، أوجد كلاما سمعه ، فقبحا لقوم يدعون الفلسفة في دقيق العويص ثم ينسلخون منه انسلاخ الشعرة من العجين ، أليس من أصولهم - ويحهم - أن لا يقبلوا شيئا يدفعه العقل ،
فأي عقل يقبل أن يسمي الكلام كلاما قبل أن يتكلم به ، فلو أنهم حيث خالفوا القرآن ثبتوا على المعقول ، كان أقل لفضيحتهم عند أنفسهم.