وبلغني أنهم يجعلون الخليل في هذا الموضع: الفقير ، كأنه: اتخذه فقيرا إليه ، يذهبون به إلى الخلة بفتح الخاء فرارا مما يلزمهم في الخلة بضمها ، ويحتجون ببيت لزهير بن أبي سلمى:
وإن أتاه خليل يوم مسألة
يقول لا غائب مالي ولا حرم
والخليل وإن كانت العرب تسمي به الفقير فهي لا تأبى من تسمية الصديق به بل تسميتها الصديق به أكثر ، وعلى ألسنتها أسير ، ولو كان تسمية الفقير به أشهر عندها من تسمية الصديق به ، لكان إعدادهم إياه هاهنا فقيرا من الإفراط في الجهل ، والنقيصة في العقل ، إذ هو موضوع موضع الفضيلة لإبراهيم ، صلى الله عليه وسلم ، فكيف يمدح إبراهيم بشيء يشاركه فيه جميع الناس قبله وبعده ، كافرهم ومسلمهم ، بل يشاركه فيه جميع الروحانيين من البهائم والحشرات وسائر الخلق من الجن والشياطن ، إذ لا نعلم أحدا من هؤلاء إلي فقيرا إلى الله ، وهل أتى على إبراهيم وقت لم يكن فيه فقيرا إلى الله قبل النبوة وبعدها ، ! ثم اتخذه فقيرا إليه ، وهل خص الله إبراهيم ، وحده
بالفقر إليه من بين سائر العالم ، حتى يذهب بتأويل الخليل إليه وهل كان قبل اتخاذه إياه - فقيرا إليه - غنيا عنه ، أو يجوز أن يكون أحد من الملائكة وحملة العرش والأنبياء والمرسلين غنيا عن الله في شيء من الأحوال ، ولا أعلم المساكين يفزعون إلى اللغة في وقت ، إلا غلطوا طريقها ، وجاءوا بأفظع مما يفرون منه. وبيت زهير يمدح به هرم بن سنان .
قد يجوز أن يكون لهرم خليل يحبه فيسأله في حمالات وديات ولوائح يتوسلون به إلى هرم - فلا يرده عنها فيكون الخليل في بيت زهير أيضا صديقا ، وإن كان غير ضار كينونته فقيرا.
حجة على مثبتي الاستطاعة ،
وقوله: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ)
حجة على مثبتي الاستطاعة بكل حال ، وقد أخبر الله نصا عن المأمورين
بالعدل بين النساء أنهم لا يستطيعونه ولو حرصوا.