فقال له عيسى، هو أنت ذاك. فألقى عليه شبه عيسى. ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء. قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتى عشرة مرة بعد أن آمن.
قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح عن ابن عباس، ورواه النسائي عن أبي كريب عن أبي معاوية، وقال غير واحد من السلف: أنه قال لهم. أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني وهو رفيقي في الجنة...
والذي يجب اعتقاده بنص القرآن الكريم أن عيسى - عليه السلام لم يقتل ولم يصلب، وإنما رفعه الله إليهم، ونجاه من مكر أعدائه، أما الذي قتل وصلب فهو شخص سواه.
(وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا(157)
المراد بالموصول في قوله: {وَإِنَّ الذين اختلفوا} ما يعم اليهود والنصارى جميعا. والضمير في قوله (فيه) يعود إلى عيسى - عليه السلام - .
وقوله {مِّنْهُ} جار مجرور متعلق بمحذوف صفة الشك.
قال الآلوسي: وأصل الشك أن يستعمل في تساوي الطرفين، وقد يستعمل في لازم معناه وهو التردد مطلقا، وإن لم يترجح أحد طرفيه وهو المراد هنا. ولذا أكده بنفى العلم الشامل لذلك أيضا بقوله - سبحانه -: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن} .
وقوله {إِلاَّ اتباع الظن} الراجح أن الاستثناء فيه منقطع، أي ما لهم به من علم لكنهم يتبعون الظن.
وقيل: هو متصل، لأن العلم والظن يجمعهما مطلق الإدراك.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : قد وصفوا بالشك والشك أن لا يترجح أحد الجائزين.
ثم وصفوا بالظن والظن أن يترجح أحدهما فيكف يكونون شاكين ظانين؟
قلت: أريد أنهم شاكون ما لهم من علم قط، ولكن إن لاحت لهم إمارة ظنوا.
ولم يرتض هذا الجواب صاحب الانتصاف فقال: وليس في هذا الجواب شفاء الغليل. والظاهر - والله أعلم - أنهم كانوا أغلب أحوالهم الشك في أمرهم والتردد، فجاءت العبارة الأولى على ما يغلب من حالهم، ثم كانوا لا يخلون من ظن في بعض الأحوال وعنده يقفون لا يرتفعون إلى العلم فيه البتة. وكيف يعلم الشيء على ما خلاف ما هو به؟
فجاءت العبارة الثانية على حالهم النادرة في الظن نافية عنهم ما يترقى عن الظن.
(وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا(159)