ثم قال: ولعل تكرير التفضيل بطريق العطف المنبئ عن المغايرة. وتقييده تارة بدرجة وتارة بدرجات مع اتحاد المفضل والمفضل عليه. إما لتنزيل الاختلاف العنوانى بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات منزلة الاختلاف الذاتى تمهيداً لسلوك طريق الإِبهام ثم التفسير... . وإما للاختلاف بالذات بين التفضيلين والدرجة والدرجات.
وقد حكى الإِمام القرطبي هذين الوجهين فقال: قوله - تعالى - {فَضَّلَ الله المجاهدين بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القاعدين دَرَجَةً} وقد قال بعد هذا: {دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً} فقال قوم: التفضيل بالدرجة ثم بالدرجات إنما هو مبالغى وبيان وتأكيد.
وقيل: فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولى الضرر بدرجة واجدة. وفضل الله المجاهدين على القاعدين من غير عذر درجات.
والذي نراه أولى من هذين القولين من قال بأن الله - تعالى - فضل المجاهدين على القاعدين بعذر بدرجة، وفضل المجاهدين على القاعدين بغير عذر بدرجات، وذلك لأن هذا التفسير هو المأثور عن ابن عباس وغيره من الصحابة. فقد قال ابن عباس في قوله - تعالى - {فَضَّلَ الله المجاهدين بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القاعدين دَرَجَةً} أراد بالقاعدين هنا أولى الضرر ولأن القاعدين بعذر وإن كانوا لهم من حسن النية ما يرفع منزلتهم إلا أن المجاهدين الذين باشروا الجهاد وعرضوا أنفسهم لأخطار القتال يفوقونهم منزلة وأجراً.
وهذا ما يقتضيه منطق العقول البشرية، أما عطاء الله بعد ذلك لكل فريق فمرجعه إليه وحده على حسب ما تقتضيه حكمته وسعة رحمته.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : كيف صح وقوع قوله {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض} جواباً عن قولهم: {فيم كنتم} وكان حق الجواب: كنا في كذا أو لم نكن في شيء ؟
قلت معنى"فيم كنتم"التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا. فقالوا: كنا مستضعفين اعتذارا مما وبخوا به، واعتلالا بالاستضعاف، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا في شيء . فبكتتهم الملائكة بقولهم: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} ، أرادوا: إنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي تمنعون فيها من إظهار دينكم.