قلت: إن شرع إبراهيم وملته داخلان في شرع محمد - صلى الله عليه وسلم - وملته، مع زيادات كثيرة حسنة خص الله بها محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ، فمن اتبع ملة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - .. فقد اتبع ملة إبراهيم؛ لأنها داخلة في ملة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ، وشرع إبراهيم داخل في شرع محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما قال تعالى: {وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} لأن إبراهيم عليه السلام كان يدعو إلى توحيد الله وعبادته، ولهذا خصه بالذكر؛ لأنه كان مقبولًا عند جميع الأمم، فإنَّ العرب كانوا يفتخرون بالانتساب إليه، وكذا اليهود والنصارى، وإذا ثبت هذا، وأن شرعه كان مقبولًا عند الأمم، وأن شرع محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وملته هو شرع إبراهيم وملته .. لزم الخلق عمومًا الدخول في دين محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وقبول شرعه وملته.
{وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) }
وأصل يراؤون يُرائِيُون، فأُعل كنظائره، والجمهور على أن يراؤون من المفاعلة، قال الزمخشري:
فإن قلت: ما معنى: وهي مفاعلة من الرؤية؟
قلت: أن المرائي يريهم عمله، وهم يرونه إستحسانه.
{أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ... (151) }
وإنما قال حقًّا، توكيدًا لكفرهم؛ لئلا يتوهم متوهم أن الإيمان ببعض الرسل يزيل اسم الكفر عنهم، وليعلم أن الكفر ببعض الأنبياء كالكفر بكلهم.
{إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (169) }
وإنما قال: {أَبَدًا} بعد {خَالِدِينَ} ؛ لدفع احتمال أن الخلود هنا يراد به المكث الطويل.
فائدة: والفرق بين الخلود والأبد: أن الخلود: بقاء الشيء مدةً طويلة على حال واحدة، لا يطرأ عليه فيها تغيير ولا فناء، والأبد: الزمن الممتد الذي لا نهاية له ولا انقضاء، يقال: تأبد الشيء إذا بقي أبدًا، وأبد بالمكان - من باب تعب - أبودًا إذا أقام به ولم يبرحه.