وكذلك الأمر بالمعروف على مسمع من الناس، فكثيرًا ما يستاء منه المأمور به، ولا سيما إذا كان الآمر من أقرانه، لأنه يرى في أمره إياه استعلاء عليه بالعلم والفضل، واتهامًا له بالتقصير أو الجهل، فمن ثم كانت النجوى به أبعد عن الإيذاء، ومثله الإصلاح بين الناس، فإنه ربما ترتب على إظهاره والتحدث به كثير من الشر، ألا ترى أن بعض الناس إذا علم أن ما يطالَب به من الصلح كان بأمر فلان من الناس .. لا يستجيب ولا يقبل، أو يصده عن الرضا به ذكره بين الناس، وعلمه بأنه كان بسعي وتواطؤ. أخرج البيهقي عن أبي أيوب الأنصاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له:"يا أبا أيوب ألا أدلك على صدقة خير لك من حمر النعم"، فقال: بلى يا رسول الله، قال:"تصلح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقرب بينهم إذا تباعدوا"، وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"أفضل الصدقة إصلاح ذات البين"، وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة"، قالوا بلى يا رسول الله، قال:"إصلاح ذات البين، وأن فساد ذات البين هي الحالقة"أخرجه الترمذي وأبو داود، وقال الترمذي: ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال"هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدِّين".
{وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125) }
فإن قلت: ظاهر هذه الآية يقتضي أن شرع محمَّد - صلى الله عليه وسلم - هو نفس شرع إبراهيم عليه السلام، وعلى هذا لم يكن لمحمد - صلى الله عليه وسلم - شرع يستقل به، وليس الأمر كذلك فما الجواب؟