{وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112) }
فإن قلت: الخطيئة والإثم شيئان، فكيف وحد الضمير في قوله: {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ} ؟
قلت: معناه ثم يرم بأحد هذين المذكورين بريئًا، وقيل: معناه ثم يرم بهما، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، وقيل: إنه يعود الضمير إلى الإثم وحده؛ لأنه أقرب مذكور.
وقيل: إن الضمير يعود إلى الكسب، ومعناه: ثم يرم بما كسب بريئًا؛ أي: ومن يكسب خطيئة أو إثمًا، ثم يبرئ نفسه منه، وينسبه إلى شخص بريء منه، ويزعم أنه هو الذي كسبه .. {فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} .
{لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ... (114) }
وإنما قال: {فِي كَثِير} لأن من النجوى ما يكون في الشؤون الخاصة، كالزراعة والتجارة مثلًا، فلا توصف بالشر، ولا مقصودة من الخير، وإنما المراد بالنجوى الكثيرة المنفي عنها الخير هي النجوى في شؤون الناس، ومن ثم استثنى منها الأشياء الثلاثة التي هي جماع الخير للناس. والكتاب الحكيم يجعل النجوى مظنة الإثم والشر، ومن ثم خاطب الله المؤمنين بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} . والسر في كون النجوى مظنة الشر في الأكثر أن العادة قد جرت بحب إظهار الخير، والتحدث به في الملأ، وأن الشر والإثم هو الذي يذكر في السر والنجوى، وفي الأثر:"الإثم ما حاك في النفس وكرهت أن يطلع عليه الناس".
وقد استثنى الله سبحانه وتعالى من النجوى التي لا خير في أكثرها أمورًا ثلاثة؛ لأن خيريتها أو كمالها تتوقف على الكتمان، وجعل التعاون عليها سرًّا والحديث فيها نجوى.
فالصدقة وهي من الخير قد يؤذي إظهارها المتصدَّق عليه، ويضع من كرامته، ومن ثم قال الله سبحانه وتعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} وقد يكون الجهر بالأمر بها والحث عليها أشد إيذاء وإهانة من إيتاءه إياها جهرًا، ولو مع الإخلاص وابتغاء مرضاة الله تعالى.