يقول الحق جلّ جلاله في الرد على النصارى: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ) أي: لن يأنفْ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ
فإن عبوديته لله شرف يتباهى بها، وإنما المذلة والاستنكاف في عبوديته لغيره، (ولَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) لا يستنكفون أيضًا أن يكونوا عبيدًا لله، بل ما كانوا مكرمين إلا بعبوديتهم لله، واحتج بالآية مَن فَضَّل الملائكة على الأنبياء، لأن المعطوف يقتضي أن يكون أرفع درجة من المعطوف عليه، حتى يكون عدم استنكاف الملائكة كالدليل على عدم استنكاف المسيح.
والجواب: أن عطف الملائكة إنما أريد به التكثير والمبالغة، كقولهم: أصبح الأمير اليوم لا يخالفه رئيس ولا مرءوس، والرئيس أفضل من المرءوس، والتحقيق في المسألة أنَّ الأنبياء والرسل أفضل من خواص الملائكة كالمقربين، وخواص الملائكة - وهم المقربون - أفضل من خواص البشر كالأولياء، وخواص البشر أفضل من عوام الملائكة، وعوام الملائكة أفضل من عوام البشر، ولذلك قيل: من غلب عقله على هواه، كان كالملائكة أو أفضل، ومن غلَب هواه على عقله، كان كالبهائم أو أضل. والله تعالى أعلم.
(الإشارة)
العبودية أشرف الحالات وأرفع المقامات، بها شرف من شرف، وارتفع من ارتفع، عند الله، وما خاطب الله أحباءه إلا بالعبودية، فقال تعالى: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا) وقال: (وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ) ، (وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ) ، (وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ، نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) ... إلى غير ذلك.
وأوصاف العبودية أربعة: الذل، والفقر، والضعف والجهل.