«فَإِنْ قِيلَ» : قوله - تعالى -: {مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً} صيغة مُبالَغَة تَدُلُّ على تَكْرَار ذَلِكَ الفِعْل مع أن الصَّادِر عَنْه خِيَانة وَاحِدَة، وإثمٌ واحدٌ.
فالجواب: أنَّ الله - تعالى - عَلِم أنه كَانَ في طَبْعَ ذَلِكَ الرَّجُل الخيانة الكَثِيرة والإثْمِ الكَبِير، فذكر اللَّفظ الدَّالَّ على المُبَالَغَة؛ بسبَبِ ما كان في طَبْعِهِ من المَيْل إلى ذَلِكَ، ويدُلُّ عليه: ما ذَكر أنَّه بعد هذه الوَاقِعَة هَرَبَ إلى مَكَّة، وارتدّ ونَقَبَ حائِط إنْسَان، لأجْلِ السرقة، فسقط الحَائِطُ عليْه ومات، ومن كانت خَاتِمَتُه كَذَلِك، لم يُشَكّ في حَالِه، وأيضاً: فإنَّه طَلَبَ من النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أنْ يرفَعَ السَّرِقَةَ عَنْه، ويُلْحِقَها باليَهُودِيِّ، وهذا يُبْطِل رِسَالة الرَّسُول، ومن حَاوَل إبْطَال رسَالة الرَّسُول وأراد كذبَهُ، فقد كَفَر؛ فلهذا المَعْنَى وَصَفَهُ اللَّه - تعالى - بالمُبَالَغَة في الخِيَانة والإثْمِ.
وقد قيل: إذا عَثْرت من رَجُلٍ على سَيِّئَةٍ، فاعلم أنَّ لها أخَوَاتٍ.
وعن عُمَر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أنَّه أخذ يَقْطَع يَدَ سَارِق، فجاءَتُهُ أمُّه تَبْكِي وتقُول هذه أوّل سَرِقة سرقها فاعْفُ عنه، فقال: كَذَبْت إنّ الله لا يؤاخِذُ عَبْدَه في أوّل الأمْر.
{يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) }
«فَإِنْ قِيلَ» : لِمَ سَمَّى التَّبْييت قولاً، وهو مَعْنى في النَّفْسِ؟