قال الطَّاعِنُون في عِصْمة الأنْبِيَاء - عليهم الصلاة والسلام -: دلَّت هذه الآيةُ على صُدُور الذَّنْب من الرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فإنَّه لَوْلاَ أن الرسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ أراد أن يُخَاصِم لأجْل الخَائِن ويذب عنه، وإلاّ لما وَرَدَ النَّهْي عَنْه.
والجوابُ: أنه لمَّا ثَبَتَ في الرِّواية: أنَّ قوم طعمة لما التمسُوا من الرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أن يَذُبَّ عن طعمة، وأنْ يُلْحِق السَّرقة باليَهُودِيِّ توقف وانتظر الوَحْي، فنزلت الآيَة، وكان الغَرَضُ من هذا النَّهْي: تَنْبيه النبيّ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - على أنَّ طعمة كَذَّابٌ، وأن اليَهُودِيَّ بريءٌ من ذَلِك الجُرْمِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : الدَّليل على أنَّ الجُرْم قد وَقَعَ من النَّبِي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قوله بعد ذلك: {واستغفر الله إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} والأمر بالاسْتِغْفَار، يدل على صُدُور الذَّنْبِ؟
فالجَوابُ: من وجوه:
الأوَّل: لعله مَالَ طَبْعُهُ، إلى نُصْرة طعمة؛ بِسَبَبِ أنه كَانَ في الظَّاهِر من المُسْلِمِين؛ فأمر بالاسْتِغْفَار لهذا القَدْر، وحَسَنَاتُ الأبْرَار سَيِّئَات المُقَرَّبين.
الثَّاني: أن القَوْم لما شَهِدُوا بِبَراءة طعمة، وعلى اليَهُودِيِّ بالسَّرِقَة، ولم يَظْهَر للرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ما يُوجِب القَدْح في شَهَادَتِهم، هَمَّ بأن يَقْضِي بالسَّرِقة
عَلَى اليهودي، ثمَّ لما أطْلَعَهُ اللَّه على كَذِب أولَئكَ الشُّهُود، عَرَف أنَّ ذلك القَضَاء لو وَقَعَ، لكان خَطَأ في نَفْسِه، وإن كَانَ مَعْذُوراً عند اللَّه - تعالى - فيه.
الثالث: قوله: «واستغفر الله» يُحْتَمل أن يكُون المُرادُ: واستغفر الله لأولئك الَّذين يَذُبُّون عن طعمة، ويُرِيدون أن يُظْهِرُوا بَرَاءَته.