إلا أن الفَرَّاء ردَّ هَذا القَوْلَ؛ بأن مثل ذلك لا يجوزُ، إلا إذا تقدَّمه استِثْنَاءٌ آخر، فيكونُ الثَّانِي عطفاً عليه: كقوله: [البسيط]
1863 - مَا بِالمَدِينَةِ دَارٌ غَيْرُ وَاحِدَةٍ ... دَارُ الْخَلِيفَةِ إلاَّ دَارُ مَرْوَانَا
وهذا رأي الفراء، وأمَّا غَيْرُه، فيزعم أنَّ «إلا» تكون عَاطِفَة بمعنى الوَاو من غَيْر شَرْطِ، وقد تقدَّم تَحْقِيقُ هذا في قوله: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ} [البقرة: 150] .
{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ... (92) }
«فَإِنْ قِيلَ» : لِمَ قدَّم تَحْرِير الرَّقَبَة على الدِّيَة في الأولى، وهَاهُنا عَكَسَ؟
الجواب: أن الوَاوَ لا تُفِيد الترْتيب، فتصيرُ كَقَوْله: {وادخلوا الباب سُجَّداً [وَقُولُواْ حِطَّةٌ} ] [البقرة: 58] ، وفي آية أخرى، {وَقُولُواْ حِطَّةٌ وادخلوا الباب سُجَّداً} [الأعراف: 161] .
«فَإِنْ قِيلَ» : الخَطَأ لا يَكُون مَعْصِية، فما مَعْنَى قوله: {تَوْبَةً مِّنَ الله} ؟
فالجَوابُ من وجوه:
الأول: أنَّ فيه نَوْعاً من التَّقْصِير، فإنَّ الظَّاهِر أنَّه لو بَالَغ في الاحْتِيَاطِ والاسْتِكْشَافِ لما تعذر عليه الفعل، ألا تَرَى أن من قَتَل مُسْلِماً يظنه حَرْبيَّا، فلو بالغ في الاستكشافِ، فالظَّاهر أنَّه لَمْ يقَعْ فيه، ومن رمى صَيْداً فأصَاب إنْسَاناً، فلو احتاطَ ولم يَرْمِ إلاَّ في مَوْضع يَقْطَع بأنه ليس هُناك إنْسَان، فإنَّه لا يقع في تلك الواقعة؛ فقوله: {تَوْبَةً مِّنَ الله} تنبيه على أنه كَانَ مُقَصِّراً في ترك الاحْتِيَاطِ.