وهذا الذي قاله صَحيحٌ، إلا أنه كان تَقَدَّم له في البَقَرَةِ في قوله - تعالى -: {بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88] أن التَّقْليل هنا بِمَعْنَى العدم، وتقدَّم الردُّ عليه هُنَاك، فَتَنَبَّهَ لهذا المَعْنَى هُنَا ولم ينتبه له هناك.
العاشر: أن المُخَاطب بقوله: «لاتبعتم» جميعُ النَّاس على العُمُوم، والمُرَادُ بالقَلِيل: أمةُ محمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خاصةً، وأيَّد صَاحِبُ هذا القَوْلِ قوله بقوله - عليه السلام -: «ما أنْتُم في سِوَاكُم من الأمَمِ إلاَّ كالرَّقْمَة البَيْضاء في الثَّور الأسود» .
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ... (92) }
قوله: {إِلاَّ خَطَئاً} فيه أرْبَعة أوجُه:
أحدُها: أنه اسْتثنَاء منقَطِع - وهو قولُ الجُمْهُور - إنْ أُريد بالنَّفِي معناه، ولا يجُوزُ أن يكُون مُتَّصِلاً، إذ يصير المَعْنَى: إلا خَطَأ فله قَتْلُه.
والثاني: أنه مُتصلٌ إنْ أُريد بالنَّفْي التحريمُ، ويَصِير المَعْنَى: إلا خطأ بأن عَرَفَه أنَّه كَافر فَقَتَله، ثم كَشَف الغيبُ أنه كان مؤمناً.
الثالث: أنه استِثْنَاء مُفَرَّغ، ثم في نَصْبِه ثلاثة احْتِمَالاتٍ:
الأوَّل: أنه مَفْعُول له، أي: ما يَنْبَغِي له أن يَقْتُلَه لعلَّه من الأحْوَالِ، إلا في حَالِ الخَطَأَ.
الثالث: أنه نَعْتُ مَصْدَرٍ محذُوف، أي: إلا قَتْلاً خَطَأ، ذكر هذه الاحْتِمَالات الزَّمَخْشَرِيُّ.
الرابع: من الأوْجه: أن تكون «إلا» بمعنى «ولا» والتقدير: وما كان لمُؤمِنٍ أن يَقْتُلَ مُؤمِنَاً عَمْداً ولا خَطَا، ذكره بعضُ أهْلِ العِلمُ، حكى أبُو عُبَيْدة عن يُونُس قال: سألتُ رُؤبة بن العَجَّاج عن هَذِهِ الآيَةِ، فقال: «ليس أنْ يَقْتُلَهُ عَمْداً ولا خَطَا» فأقام «إلاَّ» مقامَ الوَاوِ؛ وهو كقول الشَّاعِر: [الوافر]
1862 - وَكُلُّ أخٍ مُفَارِقُهُ أخُوهُ ... لَعَمْرُ أبِيكَ إلاَّ الْفَرْقَدَانِ