قال ابنُ الخطيب: «ولا يمتنع أيضاً حمل الآية على كلا الوجهين» .
قال القاضي: هذا بعيد؛ لأنه يقتضي حمل قوله: «أمْوالُكم» على الحقيقة والمجاز جميعاً، ويمكن الجوابُ عنه بأن قوله: {أَمْوَالَكُمُ} يفيدُ كون تلك الأموال مختصة بهم، اختصاصاً يمكنه التّصرف فيها، ثم إنَّ هذا الاختصاص حاصل في المال المملوك له وفي المال المملوك للصَّبي، إلاَّ أنَّه تحت تصرُّفه، فهذا التَّفاوت واقع في مفهوم خارج من المفهوم المستفاد من قوله {أَمْوَالَكُمُ} وإذا كَانَ كذلك لم يبعد حمل اللَّفظ عليهما من حيث إن اللفظ أفاد معنى واحداً مشتركاً بينهما.
قوله: {وارزقوهم فِيهَا واكسوهم} .
ومعنى الرزق: أن أنفقوا عليهم. وقوله «فيها» فيه وجهان:
أحدهما: أنَّ «في» على بابها من الظرفية، أي اجعلوا رزقهم فيها.
والثاني: أنها بمعنى «مِنْ» ، أي: بعضها والمراد: من أرباحها بالتجارة.
قال ابن الخطيب: «وإنَّمَا قال (فيها) ولم يقل: مِنْهَا، لئلا يكون ذلك أمراً بأن يجعلوا بعض أموالهم رِزْقاً لهم، بل أمرهم أن يجعلوا أموالهم مكاناً لرزقهم، بأنْ يَتَجِرُوا فيها، فيجعلوا أرزاقهم من الأرْبَاحِ لا من أصول الأموال» . والأمر بالكِسْوَةِ ظاهر.
{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10) }
«فَإِنْ قِيلَ» : الأكل لا يكون إلا في البَطْنِ فما فائدةُ قوله: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} ؟
فالجَوابُ أنَّ المرادَ به التَّأكِيدُ والمبالغةُ كقوله: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم} [آل عمران: 167] والقول لا يكون إلا بالفم، وقوله: {ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور} [الحج: 46] والقلبُ لا يكونُ إلاَّ في الصَّدْرِ، وقوله: {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38] والطّيرانُ لا يكون إلاَّ بالنَّجَاحِ.
فصل في جواز الأكل من مال اليتيم