وهذا ما رأينا عليه الصحابة رضي الله عنهم تطبيقاً حين ترد عليهم المسائل التي اختلفت فيها أنظارهم فيثنون على المخالف ويبينون عذره فيما أخطأه ، ثم يبينون الصواب ، وفعل عائشة خير مثال ، وقد تشتد أحياناً فِي نفي ما تراه مخالفاً للشريعة فِي نصه أو مراميه...وفي ذلك قال بعض أهل العلم:
وإذا أتتك مقالةٌ قد خالفت نص الكتاب أو الحديث المسند
فاقف الكتاب ولا تمل عنه ، وقف متأدباً مع كل حبرٍ أوحدِ
فلحوم أهل العلم سمٌ للجناة عليهم فاحفظ لسانك وابعدِ ( [107] )
وهذا يقودنا إلى بيان حقيقة هي النتيجة لما سبق ، وهي التي توضح بصورةٍ أجلى معنى هذه القاعدة الجليلة: (لا إنكار فِي مسائل الخلاف) ، وهي: أن هناك فرقاً بين مسائل الخلاف ومسائل الاجتهاد.
ولكن ، هل يُفهم من كل ما سابق أن التقليد محرم بالمرة ؟
لا! وليس الكاتب فِي المقام الذي يتجرأ فيه على مثل هذا الحكم بعد الخلاف الواسع الوارد فِي ذلك ، ويظهر أن الاختلاف فِي المسألة يكاد يكون لفظياً ، وأن الذين ذكروا أن التقليد محرم ، ومنهم ابن حزم ، وابن عبد البر ( [108] ) ، وابن القيم ، والشوكاني ، وغيرهم ، محتجين بأن الله تعالى ذم التقليد بقوله: (( اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ اللَّهِ ) ) (التوبة: 31) ، وقوله: (( وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاْ ) ) (الأحزاب: 67) ونحو ذلك من الآيات.. وأن الأئمة قد نهوا عن تقليدهم كما سبق...