فإن قيلَ: كَيْفَ قالَ اللهُ تعالى آمِنُوا {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً} وَأَوْعَدَهُمْ بطمسِ الوُجوهِ إن لَم يؤمِنُوا، ثُمَّ لم يؤمِنوا، ولم يقع الطَّمْسُ؟
قيلَ: يحتملُ أن يكون هذا وَعِيْداً لَهم على تركِ جَمِيعهم الإسلامَ، وقد آمَنَ منهم جماعةٌ بعدَ هذه الآية كعبدِالله بنِ سلام وعبدِالله بن ثعلبةَ وأسَيْدَ بن ثعلبة وأسَيْدَ بن عبيدٍ وغيرهم، ويحتملُ أن يكون المرادُ بالآية: الطَّمْسُ في الآخرةِ، وسيفعلُ اللهُ ذلك بهم.
(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا(69)
فإن قيلَ فكيفَ يكونُ المطيعون للهِ ورسولهِ مع النبيِّين ودرجتِهم في أعلى عِلِّيِّيْنَ؟
قِيْلَ: إنَّ الأنبياءَ ولو كانوا في أعْلى عِلِّيِّيْنَ؛ فإنَّ غيرَهم من المؤمنينَ يَرَوْنَهُمْ وَيَزُروُنَهُمْ ويستمتِعونَ برؤيتِهم، فيصلحُ اللفظ أنْ يقالَ إنَّهم معهُم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} ؛ أي حَسُنَ الأنبياءُ ومَن معهُم رُفَقَاءَ في الجنَّةِ؛ أي ما أحسنَ مُرَافَقَتَهُمْ فيها، فذكرَ الرفيقَ بلفظِ التوحيدِ؛ لأنه نُصِبَ على التمييزِ، كما في قولهِ تعالى: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً} [النساء: 4] ويجوزُ أن يكونَ معناهُ: حَسُنَ كُلُّ واحدٍ من أوْلَئِكَ رَفِيْقاً، كما قالَ تعالى: {ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} [غافر: 67] ولم يقل أطْفَالاً.
(إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا(76)
وإنَّما أدخلَ على هذا اللَّفظِ (كانَ) لتبين أن صفةَ الضَّعْفِ لازمةٌ له، وأنهُ {كَانَ ضَعِيفاً} فَخَذلَ أولياءَه، كما خذلَهم يومَ بدر حيث قال لَهم: (إنِّي بريءٌ منكُم إنِّي أرَى ما لاَ تَرَوْنَ) .