ثم قال: ما أصابك من حسنة، فمن الله، أي: من فضله، وما أصابك من سيئة، فبذنبك، وإِن كان الكل من الله تقديراً.
والثاني: أن جماعة من أرباب المعاني قالوا: في الكلام محذوف مقدّر، تقديره: فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً، يقولون: ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك.
فيكون هذا من قولهم.
والمحذوف المقدّر في القرآن كثير، ومنه قوله تعالى: (رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا) أي: يقولان: ربنا.
ومثله (أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ) أي: فحلق، ففدية.
ومثله (فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ أي: فيقال لهم.
ومثله (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ. سَلامٌ عَلَيْكُمْ) أي: يقولون سلام.
ومثله (أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ) أراد: لكان هذا القرآنَ.
ومثله (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) أراد: لعذّبكم.
ومثله (رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا) أي: يقولون.
وقال النَّمِرُ بنُ تولب:
فإنَّ المنيَّة من يخشَها ... فَسَوْفَ تُصَادِفُه أينما
أراد: أينما ذهب.
وقال غيره:
فأُقْسِمُ لَوْ شيء ٌ أتانا رسولُه ... سواكَ وَلكِن لم نجد لَك مدفعا
أراد: لرددناه.
قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ)
«فَإِنْ قِيلَ» : ما الحكمة في أنه ابتدأ بذكرهم جملة، ثم قال: (بَيَّتَ طائِفَةٌ) والكل منافقون؟
فالجواب من وجهين، ذكرهما أهل التفسير:
أحدهما: أنه أخبر عمن سهر ليله، ودبَّر أمرهُ منهم دون غيره منهم.
والثاني: أنه ذكر من علم أنه يبقى على نفاقه دون من علم أنّه يرجع.
قوله تعالى: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا(88)