قيل: الأصل في هذا أن الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون عن الكبائر، وذلك بإجماع العلماء. فأما الصغائر: فمن العلماء من قال: كانوا معصومين عنها، ومنهم من قال: ما كانوا معصومين عنها.
وكذلك الخلاف في جواز السهو والنسيان عليهم، مع إجماعهم على أن السهو غير جائز عليهم في تبليغ الوحي، وأن السهو إن وقع فهو في غير الوحي، فإنَّ الله لا يقررهم على السهو، بل ينبههم، والصحيح أن السهو
والنسيان جائز عليهم، وعلى هذا دلت الأخبار.
فأما ذنب النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه القصة فقد قيل: إنه همّ بقطع اليهودي.
وقيل: إنَّه جادل عن طعمة، حتى قال للمدعي: عمدت إلى رجل مسلم ورميته بالسرقة من غير بينة.
وهذا مما يؤمر بالاستغفار عنه.
والذين قالوا: لا تجوز الصغائر عليهم قالوا: إنه أمر بالاستغفار على طريق التسبيح، كما يقول القائل:"اسْتَغْفِرِ اللهِ"مكررًا له مرات كثيرة، على جهة التسبيح من غير أن يقصد بذلك إلى التوبة من ذنبٍ كره.
وقال بعض أهل العلم: استغفار الرسل إما أن يكون للأمة، وأما أن يكون لذنب قبل النبوة، وإما أن يكون لزيادة الدرجة. وقد رُوي عن رسول الله أنه قال:"إن الله تعالى ليغفر ذنب الرجل المسلم عشرين مرة"معناه زيادة الدرجات.
قال أبو إسحاق: عرّف الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - قصة طعمة، وأعلمه أنه خائن، ونهاه أن يحتج له، وأمره بالاستغفار مما هم به، وأن حكم بما أنزل
الله في كتابه فقال: {وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ} يعني طعمة ومن عاونه من قومه، وهم يعلمون أنه سارق. والاختيان كالخيانة، يقال: خانه واختانه. وذكر ذلك عند قوله: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 187] ومعنى (يختانون أنفسهم) : يخونوها بالمعصية، والعاصي خائن لأنه مؤتمن على دينه.