فيقال لهم: قد قيل: إن المراد به الكفرة الذين كفّ بأسهم في بدر الصغرى، والحديبية بقوله (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ) الآية، فإن كان ظاهرها العموم فالمراد منها الخصوص.
وقيل: أراد به المدة التي أمر الله فيها القتال لزوال الكفر بقوله (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) فعند ذلك يكف بأس الذين كفروا، وهو الوقت. حتى ينزل فيه المهدي فيكون حكما قسطا ويظهر الإسلام عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ.
وقيل: إن ذلك في القوم قذف الله في قلوبهم الرعب وأخرجهم من ديارهم وأموالهم بغير قتال من المؤمنين لهم وهذا بأس قد كفّه الله عن المؤمنين.
وقد قيل: إنه أراد به اليهود والنصارى وهم يعطون الجزية وتركوا المحاربة، وقد كف بأسهم عن المؤمنين إذا صاروا يؤدّون الجزية صاغرين.
(وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً ...(92)
وليس معنى قوله (وَما كانَ) على النفي وإنما هو على التحريم والنهي كقوله (ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ) .
ولو كان ذلك على النفي لما وجدت مؤمنا قتل مؤمنا قط لأنّ ما نفى الله لم يجز وجوده.
كقوله تعالى: (ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها) ولا يقدر العباد على إنبات شجرها ألبتَّة.
وقوله تعالى: (إِلَّا خَطَأً) عندنا ليس من الأول للمعنى.
(وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً) ألبتَّة إلّا أن المؤمن قد يخطئ في القتل وكفّارة خطأه ما ذكر بعده.
قال أبو عبيدة: العرب تستثني الشيء من الشيء فليس منه على اختصار وضمير، أي ليس مؤمنا على حال، إلّا أن يقتل مخطئا فإن قتله مؤمنا فعليه، كذا وكذا، ومثله قوله (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) واللمم ليس من الكبائر ومعناه إلّا أن يلم بالفواحش والكبائر أي يقرب منها.
ومثله قول جرير: