قَوْله تَعَالَى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ ... وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (16) }
«فإنْ قيلَ» : ذكر الْحَبْس فِي الْآيَة الأولى، والإيذاء فِي الْآيَة الثَّانِيَة، فَكيف وَجه الْجمع؟
قيل: أما على قَول من قَالَ: إِن الْآيَة الأولى فِي صنف، وَالْآيَة الثَّانِيَة فِي صنف آخر، يَسْتَقِيم الْكَلَام.
وَقَالَ بَعضهم: أَرَادَ بِهِ: الْجمع بَين الْإِيذَاء وَالْحَبْس فِي حق الزَّانِي فيؤذَى أَولا، ثمَّ يُحبَس، وَالْآيَة الثَّانِيَة وَإِن كَانَت فِي التِّلَاوَة مُتَأَخِّرَة، فَهِيَ فِي الْمَعْنى مُتَقَدّمَة، كَأَنَّهُ قَالَ: واللذان يأتيان الْفَاحِشَة مِنْكُم فآذوهما وأمسكوهما فِي الْبَيْت {فَإِن تابا وأصلحا فأعرضوا عَنْهُمَا} أَي: أَعرضُوا عَن الْإِيذَاء.
قَوْله تَعَالَى: {إِن الله لَا يحب من كَانَ مختالا فخورا}
المختال: المتكبر، والفخور: الَّذِي يفخر بِنَفسِهِ تكبرا، قَالَ الشَّاعِر:
(وَإِن كنت سيدنَا سدتنا ... وَإِن كنت للخال فَاذْهَبْ فَخَل)
يعْنى: إِن كنت للخيلاء فَاذْهَبْ فَخَل.
«فإنْ قيلَ» : أَي معنى لهَذَا بعد هَذِه الْأَحْكَام؟
قيل: لِأَن الْآدَمِيّ قد يقصر فِي أَدَاء الْحُقُوق تكبرا؛ فَنهى عَنهُ، وَفِي الْخَبَر:"أَن رجلا كَانَ يتبختر فِي حلَّة لَهُ، فَخسفَ الله بِهِ الأَرْض، فَهُوَ يتجلجل فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة".
قَوْله تَعَالَى: {وَلَا يكتمون الله حَدِيثا}
«فإنْ قيلَ» : قد أخبر هَاهُنَا أَنهم لَا يكتمون الله حَدِيثا، وَذكر فِي مَوضِع آخر قَوْلهم: {وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين} فقد كتموا، فَكيف وَجه الْجمع؟
قيل: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: وَهَذَا فِي موطن وَذَاكَ فِي موطن، آخر، وَفِي الْقِيَامَة مَوَاطِن، وَهَذَا جَوَاب مَعْرُوف أوردهُ القتيبي فِي مُشكل الْقُرْآن.
وَقيل: مَعْنَاهُ: يودون أَن لَا يكتمون الله حَدِيثا، وَذَلِكَ أَنهم يَقُولُونَ: {وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين} وَنَحْو ذَلِك، فيختم الله على أَفْوَاههم، وينطق جوارحهم؛ فيودون أَنهم لم يكتموا الله حَدِيثا فَهُوَ رَاجع إِلَى قَوْله: {يود الَّذين كفرُوا} وَقيل: مَعْنَاهُ: لَا يقدرُونَ أَن يكتموا الله حَدِيثا.