فأحدهما متقى، والآخر موقى، نحو قولهم: أعور عينك والحجر.
أي: قِ عينك، واتق الحجر.
«إن قيل» : ما وجه إعادة التقوى وعطف أحدهما على الآخر؟
قيل: إنه أمر في الأول بالتقوى أمرًا عامًا، ولهذا قال: (رَبَّكُمُ)
تنبيهًا على إفضاله، وإحالتهم على ما لا يمكن لأحد إنكاره.
ولما قصد الحث على الحافظة على الرَّحِم قذم ذكر الموجد باللفظ الذي
فيه التنبيه على القدرة التامة.
«إن قيل» : ما وجه ذكر (تَسَاءَلُونَ بِهِ) ؟
قيل: زيادة في الترغيب في تقواه، وتنبيهًا على كون تعظيمه
منغرسًا في قلوبنا، حتى إنا إليه نفزع إذا سألنا، ونبّه أنا كما نقول:
أسألك بالله. نقول: أسألك بالرحم، وتقدير الكلام: اتقوا الله
الذي تسألون به، والأرحام التي تسألون بها، لكن نبّه بوصف
الأول على وصف الثاني، وللقصد إلى هذا المعنى قرأ من قرأ:
"الأرحامِ"بالخفض.
«إن قيل» : ما فائدة قوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) ؟
قيل: تنبيهًا على وجوب مواصلة بعضنا بعضًا، لكوننا من ذات واحدة، وأنا
كبنيان يشدُّ بعضه بعضًا، وأمّا بخفض قوله: (وَالْأَرْحَامَ)
فقد قيل: فيه ضعف من حيث الإِعراب، ومن حيث المعنى (1) .
أمّا من حيث الإِعراب فلأن ضمير المجرور لمّا كان على حرف واحد قائم
مقام التنوين، والتنوين لا يصحُّ أن يعطف عليه، كذلك الضمير
المجرور، وأيضًا فلأنّ كلَّ ما يُعطف عليه يصحّ أن يُعطف هو.
ولمّا كان ضمير المجرور لم يصحَّ أن يعطف عليه، وبيان ذلك أنّ
للمرفوع والمنصوب ضميرًا منفصلًا، نحو: هو وهما وإيّا. فيصح
أن يُقال: رأيتك وزيدًا، أو رأيت زيدًا وإياك، وأتيتني وزيد.
وأتاني زيد وأنت، ولم يكن للمجرور ضمير منفصل يقع موقع
المتصل فيُعطف به، فلم يجز لذلك أن يُعطف عليه أيضًا.
وأمّا من حيث المعنى: فإن إعادة الأمر بالتقوى فلاقتران
ذكرها بصفة تحثُّ سامعها على استعمال التقوى، كقولك: اتقِ
الله الذي تخافه، واتقِ الله الذي بيده الخير.
فهذه الصفات هي التي تُحَسِّنُ التكرير.
فإذا نصبت الأرحام ففيه هذا المعنى.
وإذا جررته لم يكن في ضمنه من التحذير ما فيه إذا نصبتَه.
(1) القراءة بالجر متواترة، ومن ثم فلا يسوغ الاعتراض عليها.