الْأَوَّلُ: أَنَّهُ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، أَيْ إِنْ آمَنْتُمْ وَشَكَرْتُمْ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ مُقَدَّمٌ عَلَى سَائِرِ الطَّاعَاتِ.
الثَّانِي: إِذَا قُلْنَا: الْوَاوُ لَا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ فَالسُّؤَالُ زَائِلٌ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا نَظَرَ فِي نَفْسِهِ رَأَى النِّعْمَةَ الْعَظِيمَةَ حَاصِلَةً فِي تَخْلِيقِهَا وَتَرْتِيبِهَا فَيَشْكُرُ شُكْرًا مُجْمَلًا، ثُمَّ
إِذَا تَمَّمَ النَّظَرَ فِي مَعْرِفَةِ الْمُنْعِمِ آمَنَ بِهِ ثُمَّ شَكَرَ شُكْرًا مُفَصَّلًا، فَكَانَ ذَلِكَ الشُّكْرُ الْمُجْمَلُ مُقَدَّمًا عَلَى الْإِيمَانِ، فَلِهَذَا قَدَّمَهُ عَلَيْهِ فِي الذِّكْرِ.
ثُمَّ قَالَ: (وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا) لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالشُّكْرِ سَمَّى جَزَاءَ الشُّكْرِ شُكْرًا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ، فَالْمُرَادُ مِنَ الشَّاكِرِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى كَوْنُهُ مُثِيبًا عَلَى الشُّكْرِ، وَالْمُرَادُ مِنْ كَوْنِهِ عَلِيمًا أَنَّهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ، فَلَا يَقَعُ الْغَلَطُ لَهُ أَلْبَتَّةَ، فَلَا جَرَمَ يُوصِلُ الثَّوَابَ إِلَى الشاكر والعقاب إلى المعرض.
(لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا(148)
قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: إِنَّهُ تَعَالَى لَا يُحِبُّ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ، وَلَا غَيْرَ الْجَهْرِ أَيْضًا، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا الْوَصْفَ لِأَنَّ كَيْفِيَّتَهُ الْوَاقِعَةَ أَوْجَبَتْ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ (إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا) [النساء: 94] والتبين واجب في الظعن والإقامة، فكذا هاهنا.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي قَوْلِهِ (إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) قَوْلَانِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً مُنْقَطِعًا، أَوْ مُتَّصِلًا.
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: إِنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ هَذَا مِنْ بَابِ حَذْفِ الْمُضَافِ عَلَى تَقْدِيرِ: إِلَّا جَهْرَ مَنْ ظُلِمَ.
ثُمَّ حُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ.