«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ خَصَّ اللَّه الصَّالِحِينَ بِأَنَّهُمْ (لَا يُظْلَمُونَ) مَعَ أَنَّ غَيْرَهُمْ كَذَلِكَ كَمَا قَالَ (وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [فُصِّلَتْ: 46] وَقَالَ (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ) [آلِ عِمْرَانَ: 108] .
وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الرَّاجِعُ فِي قَوْلِهِ (وَلا يُظْلَمُونَ) عَائِدًا إِلَى عُمَّالِ السُّوءِ وَعُمَّالِ الصَّالِحَاتِ جَمِيعًا.
وَالثَّانِي: أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَنْقُصُ عَنِ الثَّوَابِ كَانَ بِأَنْ لَا يَزِيدَ فِي الْعِقَابِ أَوْلَى هَذَا هُوَ الْحُكْمُ فِيمَا بَيْنَ الْخَلْقِ، فَذَكَرَ اللَّه تَعَالَى هذا الحكم على وفق تعارف الخلق.
(وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا(125)
«فَإِنْ قِيلَ» : ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّ شَرْعَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَفْسُ شَرْعِ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَمْ يَكُنْ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ صَاحِبَ شَرِيعَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِذَلِكَ؟
قُلْنَا: يَجُوزُ أَنَّ تَكُونَ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ دَاخِلَةً فِي مِلَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَ اشْتِمَالِ هَذِهِ الْمِلَّةِ عَلَى زَوَائِدَ حَسَنَةٍ وَفَوَائِدَ جَلِيلَةٍ.
«فَإِنْ قِيلَ» : مَا مَوْقِعُ قَوْلِهِ (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا) ؟
قُلْنَا: هَذِهِ الْجُمْلَةُ اعْتِرَاضِيَّةٌ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ، وَنَظِيرُهُ مَا جَاءَ فِي الشِّعْرِ مِنْ قَوْلِهِ:
وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ
وَالْجُمْلَةُ الِاعْتِرَاضِيَّةُ مِنْ شَأْنِهَا تَأْكِيدُ ذَلِكَ الكلام، والأمر هاهنا كَذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.
* قَالَ بَعْضُ النَّصَارَى: لَمَّا جَازَ إِطْلَاقُ اسْمِ الخليل على إنسان معنى عَلَى سَبِيلِ الْإِعْزَازِ وَالتَّشْرِيفِ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ اسْمِ الِابْنِ فِي حَقِّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى سَبِيلِ الْإِعْزَازِ وَالتَّشْرِيفِ.