وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ: (عَلَى اللَّهِ) وَكَلِمَةُ (عَلَى) لِلْوُجُوبِ، قَالَ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) [آلِ عِمْرَانَ: 97] وَالْجَوَابُ: أَنَّنَا لَا نُنَازِعُ فِي الْوُجُوبِ، لَكِنْ بِحُكْمِ الْوَعْدِ وَالْعِلْمِ وَالتَّفَضُّلِ وَالْكَرَمِ، لَا بِحُكْمِ الِاسْتِحْقَاقِ الَّذِي لَوْ لَمْ يَفْعَلْ لَخَرَجَ عَنِ الْإِلَهِيَّةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا دَلَائِلَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا(101)
«فَإِنْ قِيلَ» : فَعَلَى هَذَا لَمَّا كَانَ هَذَا الْحُكْمُ ثَابِتًا حَالَ الْأَمْنِ وَحَالَ الْخَوْفِ، فَمَا الْفَائِدَةُ فِي تَقْيِيدِهِ بِحَالِ الْخَوْفِ؟
قُلْنَا: إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي غَالِبِ أَسْفَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَكْثَرُهَا لَمْ يَخْلُ عَنْ خَوْفِ الْعَدُوِّ، فَذَكَرَ اللَّه هَذَا الشَّرْطَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ هُوَ الْأَغْلَبُ فِي الْوُقُوعِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْقَصْرَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ الْمُرَادُ مِنْهُ الِاكْتِفَاءُ بِالْإِيمَاءِ وَالْإِشَارَةِ بَدَلًا عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَذَلِكَ هُوَ الصَّلَاةُ حَالَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ مَخْصُوصَةٌ بِحَالِ الْخَوْفِ، فَإِنَّ وَقْتَ الْأَمْنِ لَا يَجُوزُ الْإِتْيَانُ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ، وَلَا تَكُونُ مُحَرَّمَةً وَلَا صَحِيحَةً، واللَّه أَعْلَمُ.
(إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا)