وَالرَّابِعُ: أَنَّ نِعَمَ الدُّنْيَا مَشْكُوكَةٌ فَإِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ تَنَعُّمًا لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ عَاقِبَتُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَنِعَمَ الآخرة يقينية، وكل هذه الوجوه تجب رُجْحَانَ الْآخِرَةِ عَلَى الدُّنْيَا، إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْخَيْرِيَّةَ إِنَّمَا تَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ، فَلِهَذَا الْمَعْنَى ذَكَرَ تَعَالَى هَذَا الشَّرْطَ وَهُوَ قَوْلُهُ: (لِمَنِ اتَّقى) وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» .
(مَا أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا(79)
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ: قَدْ ثَبَتَ أَنَّ لَفْظَ السَّيِّئَةِ تَارَةً يَقَعُ عَلَى الْبَلِيَّةِ وَالْمِحْنَةِ، وَتَارَةً يَقَعُ عَلَى الذَّنْبِ وَالْمَعْصِيَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَضَافَ السَّيِّئَةَ إِلَى نَفْسِهِ فِي الْآيَةِ الْأُولَى بِقَوْلِهِ: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) [النساء: 78] وَأَضَافَهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى الْعَبْدِ بِقَوْلِهِ: (وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) فَلَا بُدَّ مِنَ التَّوْفِيقِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وَإِزَالَةِ التَّنَاقُضِ عَنْهُمَا، وَلَمَّا كَانَتِ السَّيِّئَةُ بِمَعْنَى الْبَلَاءِ وَالشِّدَّةِ مُضَافَةً إِلَى اللَّه وَجَبَ أَنْ تَكُونَ السَّيِّئَةُ بِمَعْنَى الْمَعْصِيَةِ مُضَافَةً إِلَى الْعَبْدِ حَتَّى يَزُولَ التَّنَاقُضُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ الْمُتَجَاوِرَتَيْنِ، قَالَ: وَقَدْ حَمَلَ الْمُخَالِفُونَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى تَغْيِيرِ الْآيَةِ وقرءوا: (فَمِنْ تَعْسِكَ) فَغَيَّرُوا الْقُرْآنَ وَسَلَكُوا مِثْلَ طَرِيقَةِ الرَّافِضَةِ مِنَ ادِّعَاءِ التَّغْيِيرِ فِي الْقُرْآنِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : فَلِمَاذَا فَصَلَ تَعَالَى بَيْنَ الْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَأَضَافَ الْحَسَنَةَ الَّتِي هِيَ الطَّاعَةُ إِلَى نَفْسِهِ دُونَ السَّيِّئَةِ وَكِلَاهُمَا فِعْلُ الْعَبْدِ عِنْدَكُمْ؟