فالرد عند التنازع إلى غير القرآن والسنة حرام ( [11] ) ، بل إن الرد عند التنازع إلى غير الشريعة المعصومة ، والاحتجاج بالقاعدة على النص - عند الشوكاني - يظهر كأنه نوعٌ من التشريع ، وإظهار نبوة جديدة بعد نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - .. يقول الشوكاني:"وربما يقوم فِي وجهه من يريد تقويم الباطل فيقول له (لا إنكار فِي مسائل الاجتهاد) فيقال له: ومتى فوض الله سبحانه وتعالى من يدعي الاجتهاد على الشريعة التي أنزلها على رسوله صلى الله عليه وسلم وجعله حاكماً فيها بما شاء ، وعلى ما شاء ، فإن هذه نبوةٌ لا اجتهاد ، وشريعةٌ حادثةٌ غير الشريعة الأولى ، ولم يرسل الله سبحانه إلى هذه الأمة إلا رسولاً واحداً" ( [12] ) .
2 -أن هذا هو الذي طبقه الصحابة رضي الله عنهم فيما بينهم من مسائل خلافية ، وكان يجري بينهم التذكير والإنكار بالمجادلة والمحاورة ثم يفيء منهم من فاء إلى النص .
3 -أن بعض الصحابة امتنع ومنع من اتباع اختيار الحاكم فِي المسألة الخلافية ، وأنكروا عليه ، فكيف غيره .
4 -وهذا هو الذي قال به السلف الصالح ونصوا عليه .
5 -وهو الذي نص عليه أئمة المذاهب الأربعة ، وشددوا على التحاكم إليه .
6 -وهذا هو الذي تدل عليه عبارات أصحاب الأقوال السابقة عند التحقيق فإن حاصل ما ذكروه أن هذه القاعدة الفقهية الجليلة (لا إنكار فِي مسائل الخلاف) ليست على إطلاقها ، بل هي مقيدةٌ بما لم يُخالَف فيها نصٌ أو إجماعٌ أو قياسٌ جليٌ ، أما إذا كان القول الآخر ضعيفاً ، أو بعيد المأخذ ، أو ليس له حظٌ من النظر ، فالإنكار فيه مشروع .
7 -وهذا هو السبيل الوحيد لوحدة المسلمين ، فإنه لا يمكن جمع المسلمين إلا بردهم إلى النص الصحيح الصريح بشروط الاجتهاد المعلومة فِي الاستنباط منه ، أما إذا قُبل أن يكون المتحاكَم إليه هو المذاهب ، ويكون الخلاف مرجعاً كما حدث فِي القرون المتأخرة ؛ فإن الشريعة الواحدة تصير بالمذاهب كشرائع متعددة متنافرة ( [13] ) .