وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ كَقَوْلِهِ: (يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) [آلِ عِمْرَانَ: 167] وَالْقَوْلُ لَا يَكُونُ إلا بالفم، وَقَالَ: (وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الْحَجِّ: 46] وَالْقَلْبُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الصَّدْرِ، وَقَالَ: (وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ) [الْأَنْعَامِ: 38] وَالطَّيَرَانُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْجَنَاحِ، وَالْغَرَضُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ التَّأْكِيدُ وَالْمُبَالَغَةُ.
* إنَّهُ تَعَالَى وَإِنْ ذَكَرَ الْأَكْلَ إِلَّا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ كُلُّ أَنْوَاعِ الْإِتْلَافَاتِ، فَإِنَّ ضَرَرَ الْيَتِيمِ لَا يَخْتَلِفُ بِأَنْ يَكُونَ إِتْلَافُ مَالِهِ بِالْأَكْلِ، أَوْ بِطْرِيقٍ آخَرَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْأَكْلَ وَأَرَادَ بِهِ كُلَّ التَّصَرُّفَاتِ الْمُتْلِفَةِ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ عَامَّةَ مَالِ الْيَتِيمِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ هُوَ الْأَنْعَامُ الَّتِي يَأْكُلُ لُحُومَهَا وَيَشْرَبُ أَلْبَانَهَا.
فَخَرَجَ الْكَلَامُ عَلَى عَادَتِهِمْ.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ جَرَتِ الْعَادَةُ فِيمَنْ أَنْفَقَ مَالَهُ فِي وُجُوهِ مُرَادَاتِهِ خَيْرًا كَانَتْ أَوْ شَرًّا، أَنَّهُ يُقَالُ: إِنَّهُ أَكَلَ مَالَهُ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْأَكْلَ هُوَ الْمُعَظَّمُ فِيمَا يُبْتَغَى مِنَ التَّصَرُّفَاتِ.
(يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ...(11)
«فَإِنْ قِيلَ» : إِنَّهُ لَا يُقَالُ فِي اللُّغَةِ أوصيك لكذا فكيف قال هاهنا: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) ؟
قُلْنَا: لَمَّا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ قَوْلًا، لَا جَرَمَ ذَكَرَ بَعْدَ قَوْلِهِ: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ) خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا فقَالَ: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [الْفَتْحِ: 29] أَيْ قَالَ اللَّهُ: لَهُمْ مَغْفِرَةً لِأَنَّ الْوَعْدَ قَوْلٌ.