[201] فإن قيل: اليهود كانوا كافرين بعيسى ابن مريم، عليه الصلاة والسلام، يسمونه الساحر ابن الساحرة، والفاعل ابن الفاعلة؛ فكيف أقرّوا أنّه رسول الله بقولهم: إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ) [النساء: 157] ؟
قلنا: قالوه على طريق الاستهزاء، كما قال فرعون: إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون.
[202] فإن قيل: كيف وصفهم بالشك بقوله: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ) [النساء: 157] ، ثم وصفهم بالظّن بقوله: (ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ) [النساء: 157]
والشك تساوي الطرفين، والظن رجحان أحدهما؛ فكيف يكونون شاكين ظانين؛ وكيف استثنى الظن من العلم، وليس الظن فردا من أفراد العلم؛ بل هو قسيمه؟
قلنا: استعمل الظن بمعنى الشك مجازا لما بينهما من المشابهة في انتفاء الجزم؛ وأما استثناء الظن من العلم فهو استثناء من غير الجنس، كما في قوله تعالى: (لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً) [مريم: 62] .
وقيل: لأنّ المراد بالشك هنا ما يشمل الظن، واستثناء الظن من العلم في الآية منقطع؛ فإلّا فيها بمعنى لكن، كما في قوله تعالى: (لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً) [الواقعة: 25، 26] ، وما أشبهه.
[203] فإن قيل: كيف يكون للنّاس على الله حجّة قبل الرّسل، وهم محجوجون بما نصبه لهم من الأدلة العقلية الموصلة إلى معرفته، حتى قال: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء: 165] ؟
قلنا: الرسل والكتب منبهة من الغفلة، وباعثة على النظر في أدلة العقل ومفصّلة لمجمل الدنيا وأحوال التكليف التي لا يستقل العقل بمعرفتها، فكان إرسالهم إزاحة للعلة وتتميما لإلزام الحجة، لئلا يقولوا: لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا) [طه: 134] فيوقظنا من سنة الغفلة وينبهنا لما وجب الانتباه له.
[204] فإن قيل: كيف قال: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) [النساء: 166] ولم يقل أنزله بقدرته أو بعلمه وقدرته؛ مع أن الله تعالى لا يفعل إلّا عن علم وقدرة؟
قلنا: معناه أنزله متلبسا بعلمه: أي عالما به، أو وفيه علمه، أي معلومه أو معلمه من الشرائع والأحكام. وقيل معناه: أنزله عليك بعلم منه أنّك أولى بإنزاله عليك من سائر خلقه.