قلنا: قيل إن المراد بالعمل الصالح الإخلاص في الإيمان، وقيل: الثبات عليه إلى الموت، وكلاهما شرط في كون الإيمان سببا لدخول الجنة.
[192] فإن قيل: كيف قال: (ومَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) [النساء: 123] والتائب المقبول التّوبة غير مجزيّ بعمله، وكذلك من عمل سيئة ثم أتبعها حسنة، لأنها مذهبة لها وماحية بنص القرآن؟
قلنا: المراد من يعمل سوءا ويمت مصرا عليه، فإن تاب منه لم يجز به.
الثاني: أن المؤمن يجازى في الدّنيا بما يصيبه فيها من المرض وأنواع المصائب والمحن، كما جاء في الحديث؛ والكافر يجازى في الآخرة.
[193] فإن قيل: كيف خصّ المؤمنين الصالحين بأنّهم لا يظلمون بقوله:
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ) [النساء: 124] الآية؛ مع أن غيرهم لا يظلم، أيضا؟
قلنا: قوله: (وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً) [النساء: 124] راجع إلى الفريقين عمال السوء وعمال الصالحات لسبق ذكر الفريقين.
الثاني: أن يكون من باب الإيجاز والاختصار فاكتفى بذكره عقب الجملة الأخيرة عند ذكر أحد الفريقين لدلالته على إضماره عقب ذكر الفريق الآخر، ولا يظلم المؤمنون بنقصان أعمالهم، ولا الكافرون بزيادة عقاب ذنوبهم.
الثالث: أن المراد بالظلم نفي نقصان ثواب الطاعات، وهذا مخصوص بالمؤمنين، لأن الكافرين ليس لهم على أعمالهم ثواب ينقص منه.
[194] فإن قيل: طلب الإيمان من المؤمنين تحصيل حاصل، فكيف قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) [النساء: 136] الآية؟
قلنا: معناه: يا أيها الذين آمنوا بعيسى آمنوا بالله ورسوله محمد. وقيل: معناه: يا أيها الذين آمنوا يوم الميثاق آمنوا الآن. وقيل معناه: يا أيها الذين آمنوا علانية آمنوا سرّا.
[195] فإن قيل: قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ) [النساء: 141] لم سمّى ظفر المؤمنين فتحا، وظفر الكافرين نصيبا؟
قلنا: تعظيما لشأن المؤمنين وتحقيرا لحظ الكافرين؛ لأنّ ظفر المسلمين أمر عظيم؛ لأنه متضمن نصرة دين الله وعزة أهله؛ تفتح له أبواب السماء حتى ينزل على أولياء الله، وظفر الكافرين ليس إلا حظا دنيئا وعرضا من متاع الدنيا يصيبونه، وليس بمتضمن شيئا مما ذكرنا.