ونخلص من ذلك كله إلى أن القائلين بقاعدة: (لا إنكار فِي مسائل الخلاف) ، رحمهم الله جميعاً ، لم يريدوا بها ، عند تقريرها ، التطبيق المطلق على كل مسألة مختلَفٍ فيها كما يتبادر من لفظها ، بل قد يكون مرادهم منها نفي الإنكار (لا إنكار) باليد ، أو بالقول على سبيل التوبيخ والنعي الشديد... أما الإنكار بمعنى النصح ، وبيان الحجج العلمية فهو مشروعٌ عندهم جميعاً ، والنفي متوجهٌ لمن ليس له ولاية الحسبة ، أما من له ولاية الحسبة فيحملهم على القول الصحيح فِي المسألة المختلَف فيها ( [30] ) ، مع أن هذا قابلٌ للتفصيل ويخضع لمرونة فِي التطبيق بحسب الواقع.
كما قد يكون مرادهم من كلمة (الخلاف) الواردة فِي عبارة (في مسائل الخلاف) - وبعضهم سماها مسائل الاجتهاد ، الذي ينتفي فيه الإنكار السابق - الخلاف القوي ، أما الخلاف الضعيف فيُنكَر فيه على من ضعف قوله باليد ممن يحق له ذلك أو باللسان على حسب كلٍ ... وهذا ظاهرٌ من كلامهم إلا الإمام الغزالي ، ففي قوله نوع ترددٍ ظاهر ، ومعنى هذا أنهم قسموا عملياً المسائل الخلافية إلى قسمين: مسائل الخلاف ، وهي ما كان أحد القولين فيها ضعيفاً ، حيث يكون فيها نصٌ أو إجماعٌ أو قياسٌ جليٌ ، وليست داخلة ضمن القاعدة ، ومسائل الاجتهاد ، وهي ما كانت الأقوال فيها قوية ، وهي المراد بالقاعدة ... وهذا التقسيم بهذه الهيئة العملية ، صار تقسيماً اصطلاحياً عند المتأخرين تحت الاسمين السابقين.
لقد قيد أهل العلم هذه القاعدة ، ولم يطلقوها كما يوهم ظاهر اللفظ ، وذلك لخطورة القول بها على إطلاقها.
آثار الاستدلال بقاعدة (لا إنكار فِي مسائل الخلاف)
الفهم الخاطئ لهذه القاعدة ، والاستشهاد بها على إطلاقها دون بيانٍ وتفصيلٍ للمراد من مدلولها فِي العموم كقاعدة ، ومن مدلول كلمة (الخلاف) أو كلمة (الاجتهاد) فِي الخصوص ، يوقع لبساً كبيراً شأن كل احتجاجٍ بالكلام المجمل دون بيان تفصيلي يتبعه.