ولذا ذكر القرطبي عدداً من المسائل المنقولة عن أهل العلم والدين ، وبين أنها زلات لا يجوز اتباعها ، ومن ذلك قوله:"ذكر النسائي فِي كتابه أن أول من أحل المسكر من الأنبذة إبراهيم النخعي ، وهذه زلة من عالم ، وقد حذرنا من زلة العالم ، ولاحجة فِي قول أحدٍ مع السنة ، وذكر النسائي أيضاً عن ابن المبارك قال: ما وجدت الرخصة فِي المسكر عن أحد صحيحاً إلا عن إبراهيم" ( [28] ) .. وعن إسماعيل بن إسحاق القاضي قال: دخلت على المعتضد فدفع إليّ كتاباً نظرت فيه ، وكان قد جمع له الرخص من زلل العلماء ، وما احتج به كل منهم لنفسه ، فقلت له: يا أمير المؤمنين! مصنف هذا الكتاب زنديق. فقال: لم تصح هذه الأحاديث ؟ قلت: الأحاديث على ما رويت ، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة ، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر ، وما من عالمٍ إلا وله زلة ، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه. فأمر المعتضد فأحرق ذلك الكتاب ( [29] ) .
لذلك يمكن أن يقال: إذا أخذنا بالخلاف فِي كل شيء ، فكيف تعد الزلة خلافاً ؟
ومما يدل - أيضاً - على عدم الأخذ بإطلاق قاعدة: (لا إنكار فِي مسائل الخلاف) ، وعلى عدم اعتبار الخلاف حكماً ، عند من قرر هذه القاعدة من ناحية عملية ، أنهم ينكرون بعض مسائل الخلاف باليد عند الاقتضاء.
ويضاف إلى ذلك: التطبيق العملي للقرآن الكريم: وهو السيرة النبوية الشريفة ، وما يتبع ذلك من فهمٍ للصحابة وعملٍ يوائم الشريعة ؛ إذ عليهم نزل القرآن ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم يتلو عليهم آيات الله سٍبحانه وتعالى ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ... ولم يوجد أحد منهم يعتبر المذهب الخاص به هو معيار الإنكار ، بل كان النص عندهم هو معيار الإنكار ما دام ظاهر الدلالة ، والحجة عليه لائحة ، والفهم فيه غير بعيد المأخذ.