الجواب أن يقال: إن الآية الأولى في الشهادة أمر عز وجلّ من عنده شهادة أن يقوم بالحق فيها ويشهد لله على كل من عنده حق لغيره يمنعه إياه حتى يصل إليه فقال: قوموا بالقسط، أي: بالعدل في حال شهادتكم لله على كل ظالم حتى يؤخذ الحق منه، فقدم القسط لأنه من تمام «قوّامين» إذ فعله يتعدى إلى مفعوله بالباء وأما «شهداء» فإنها إذا كانت حالا من الضمير في «قوامين» فإن حقها أن تجيء بعد تمام «قوّامين» ، وكذلك إن كانت خبرا ثانيا وإن كانت صفة لقوامين فإن حقها أن تجيء بعده. وأما قوله: {لِلَّهِ} بعد {شُهَدَاءَ} فلتعلقه بالشهادة كأنه قال: كونوا شهداء لله لا للهوى والميل إلى ذوي القربى، والدليل على ذلك أنه قال: {وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ} وشهادة الإنسان على نفسه أن يقر بالحق لخصمه، أي: افعلوا ذلك لله وإن كان عليكم أو على الوالدين وذوي القربى منكم
وقوله عز وجلّ: {إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً} أي: إن يكن من عليه الحق على أحد هذين الوصفين فانتهوا في أمره إلى ما أمر الله عز وجلّ به ولا يحملنكم الإشفاق من فقره على محاباته ولا يدعونكم غنى الغني إلى مداراته فإن الله أولى بالنظر لهما ولجميع عباده منهم لأنفسهم ولغيرهم وقوله: {فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا} أي: كراهة أن تعدلوا، وإن تلووا ألسنتكم بالشهادة ولم تفصحوا بها ولم تقوموا بما يجب عليكم فيها أو تتركوا ما يلزمكم منها فإن الله عليم بعملكم وهو مجازيكم على فعلكم وقيل: {تَلْوُوا} بمعنى تمطلوا من لويت الغريم: إذا دفعته، كأنه قال: إن تدفعوا الشهادة ولم تؤدوها وقت الحاجة إليها،
ومن قرأ «تلوا» بضم اللام وواو واحدة، فالمعنى: أن تلوا أمر الناس من الولاية أو تتركوه، ويجوز أيضا أن يكون الأصل «تلووا» ، فأبدلت من الواو المضمومة همزة ثم خففت بإلقاء حركتها على اللام وحذفها، وإن كان هذا مستضعفا في الهمزة العارضة