الأصنام التي عبدها بأن يكله إليها ليستنصر بها ولا نصر عندها، وهؤلاء مشركو العرب، فدل على أن من تقدم ذكرهم وإن كانوا أوتوا الكتاب كهؤلاء المشركين الذين لا كتاب لهم كفرهم ككفرهم وسبيلهم كسبيلهم، فأعاد ذكر عظم الشرك توعدا لصنف آخر من الكفار لم يدخلوا في جملة من تقدم ذكرهم ليعلم أنهم وإن خالفوهم دينا فقد وافقوهم كفرا، فهذه فائدة التكرار، فأما إتباع الأول {فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً} فلأن من أريد بالآية الأولى قوم عرفوا صحة نبوة النبي صلّى الله عليه وسلم من الكتاب الذي هو معهم فكذبوا وافتروا ما لم يكن عندهم، فكان كفرهم من هذا الوجه الذي أضلوا به أتباعهم، وأما إتباع الثاني {فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيداً} فلأن من أريد به مشركو العرب وهم لم يتعلقوا بما يهديهم ولا كتاب في أيديهم فيرجعوا إليه فيما يتشككوا فيه، فقد بعدوا عن الرشد وضلوا أتم الضلال، فاقتضى المعنيون بالأول ما ذكره الله تعالى والمعنيون بالثاني ما أتبعه إياه وإن كان الفريقان مقترفين {إِثْماً عَظِيماً} وضالين {ضَلَالًا بَعِيداً} والله أعلم.
الآية الثانية منها
قوله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} وقال بعده: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً} .