ومن ثمّ ، فإن هذا البحث يكشف عن مقدار الاستيعاب الفقهي للخلاف ، سواء من حيث الاعتراف الواقعي بوجوده ، أو من حيث كيفية التعامل معه ، أو الاعتراف بمشروعيته فيما هو مشروعٌ فيه ، أو بالتوقي من شروره حال تأديته إلى ذلك... وذلك كله من خلال قاعدة (لا إنكار فِي مسائل الخلاف) التي تعكس صورة من صور الانفتاح الفقهي المنضبط على آراء الآخرين واختلافاتهم ، وتضبطها بالنصوص الشرعية والمقاصد العامة للتشريع ، وتستوعبها ضمن الأخوة الإسلامية ، ووحدة جماعة المسلمين .
ويتمحور البحث حول مفهومين أساسين ، هما القاعدة الفقهية: (لا إنكار فِي مسائل الخلاف) ، والإنكار نفياً وإثباتاً ؛ الذين يظهران كأساسين فِي هذه القاعدة التي تعبر فِي عمومها عن كونها قاعدة فقهية ، كما تعبر فِي فحواها عن الإنكار نفياً وإثباتاً.
ويهتم البحث ببيان الموقف من الخلاف فِي المسائل الشرعية ، وبيان الموضع الصحيح للاستشهاد بهذه القاعدة ، ومدى النسبية والإطلاق فيها ، مما يستلزم معرفة القول الصحيح فِي معيار التذكير بالإنكار.
ويمكن القول: إن هذا البحث محاولة لاستيفاء شرح قاعدة: (لا إنكار فِي مسائل الخلاف) ، وبيان المراد من وضعها فِي الأصل ، وضرورة الاستشهاد بها فِي موضعها ، مع بيان الخطأ والصواب فِي ذلك ، لتستبين من ثمّ ، الآفاق التي أرادها الفقهاء من وضع هذه القاعدة ورديفاتها من القواعد الفقهية ، صيانة للدين ، واستيعاباً لاختلاف الآراء ، وضبطاً لتعدد الأفكار والرؤى ، ووقوفاً وسطاً بين الغالي فِي الحق والجافي عنه.
والله المستعان ، ومنه يُرْجى الهدى والرشاد ، ويُستلهم السداد ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
القواعد الفقهية: السمات العامة.. ومرتكزات المعالجة
خصائص وسمات القواعد الفقهية