قال علي كرم اللّه وجهه ما في القرآن آية أحب إلي من هذه"وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً" (116) إذا مات على شركه والضلال البعيد يقابله عذاب غليظ.
قال ابن عباس: جاء شيخ من الأعراب فقال يا نبي اللّه إني منهمك بالذنوب غير أني لم أشرك باللّه منذ عرفته ، وآمنت به ولم أتخذ من دونه وليا ، ولم أواقع المعاصي جرأة على اللّه ، وما توهمت طرفة عين أني أعجز اللّه هربا ، وإني لقادم تائب مستغفر فما حالي عند اللّه ؟ فأنزل اللّه هذه الآية.
ولا ينافي هذا ما نحن بصدده إذ لا مانع من تعدد الأسباب ، لأن الآية الواحدة قد تنزل لأسباب كثيرة ، وقد يذكرها حضرة الرسول لمناسبة حادثة تنطبق عليها ، وهذا لا يعني أنها نزلت ثانيا كما قاله بعض المفسرين ، راجع تفسير الفاتحة تعلم أنه لا يوجد في القرآن سورة أو آية نزلت مرتين ، وكان صلّى اللّه عليه وسلم - كما جرت على ذلك أصحابه وأتباعه حتى الآن - عند وقوع قضايا كهذه يتلو الآية المناسبة بالمقام المطابقة له ، فيظنها من يسمعها منه أو يحضر الحادثة أنها نزلت في تلك وليس كذلك ، ولهذا ترى المفسرين يعددون أسبابا كثيرة للنزول ولا يقطعون بواحد منها ، والأجدر أن يكون سبب النزول للحادثة والواقعة فقط ، ثم تكون جوابا لغيرها مما يماثلها ، وقد توخيت في هذا الباب أقصى ما بالوسع ، كما بذلت غاية الجهد في باب الناسخ والمنسوخ ، واللّه الموفق ومنه الهداية وعليه الاعتماد وإليه المرجع ولا حول ولا قوة إلا باللّه.
وهذا الشيخ المار ذكره كان لسان حاله يقول نظر اللّه إليه:
وما كانت ذنوبي عن عناد ولكن بالشقا حكم القضاء
قال تعالى:"إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ"أي الإله العظيم أي ما يعبدون غيره ، لأن كل من عبد شيئا فقد دعاه لحاجته.