ولما كان المنافقون لا يزالون يرددون قولهم في قتلى أحد لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا كما مر في الآية 157 من آل عمران ، أنزل اللّه جل شأنه ردا عليهم"أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ"لا خلاص لكم منه إذا حل أجلكم وإذا كان الأمر كذلك فالقتل في سبيل اللّه أفضل من الموت على الفراش.
قال علي كرم اللّه وجهه أن الجهاد باب من أبواب الجنة ، فتحه اللّه لخاصة أوليائه وهو لباس التقوى ، ودرع اللّه الحصينة ، فمن تركه ألبسه اللّه ثوب الذل ، وشمله البلاء وقيل فيه:
إن موتا في ساعة الحرب خير لك من عيش ذلة وخضوع
مت هماما كما حييت هماما وأحي في ذكرك المجد الرفيع
وإذا كان الموت لا بد مدرككم"وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ"وحصون محصنة وقلاع عالية مطلية بالشيد وهو الجصّ.
وقال بعض المفسرين أجساد قوية مستدلا بقول القائل:
فمن يك ذا عظم صليب رجابه ليكسر عود الدهر فاللّه كاسره
وهو هنا ليس بشيء ، وقال الحصكفي ملغزا في نعش الميت:
أتعرف شيئا في السماء نظيره إذا سار صاح الناس حيث يسير
فتلقاه مركوبا وتلقاه راكبا وكل أمير يعتليه أسير
يحضّ على التقوى ويكره قربه وتنفر منه النفس وهو نذير
ولم يتزر عن رغبة في زيارة ولكن على رغم المزور يزور
"وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ"من خصب وصحة ورفاه"يَقُولُوا"المنافقون"هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ"من جدب ومرض وغلاء"يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ"يعنون محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ، وهذا كقول قوم موسى عليه السلام (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ) الآية 130 من الأعراف في ج 1 ، وكقول قوم صالح لصالح عليه السلام (اطّيّرنا بك وبمن معك) الآية 47 من سورة النمل وكما قال أهل انطاكية سئل عيسى عليه السلام (إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ) الآية 19 من سورة يس ج 1 أيضا.