هذا وبعد أن بين اللّه تعالى ما يجب أن ينتهي عنه في النفس شرع في بيان ما يجب أن يجتنب في المال والنشب فقال جل قوله"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ"كالربا والقمار والغضب والسرقة والخيانة ، وأن تعدوا ما يحصل من ذلك ربحا وهو محرم عليكم تعاطيه وربحه ، وهكذا كل ربح حصل من عقد فاسد أو باطل"إِلَّا أَنْ تَكُونَ"الأرباح التي تأكلونها"تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ"فيحل لكم أكلها وهذا الاستثناء منقطع لأن أرباح التجارة ليست من جنس الباطل.
وفي الآية دليل على جواز البيع بالتعاطي وجواز البيع الموقوف إذا أجيز لوجود التراضي وعلى نفي خيار المجلس ، لأن إباحة الأكل من غير تقييد ، وقدمنا ما يتعلق بهذا في الآية 188 من سورة البقرة فراجعه"وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ"أيها المؤمنون كما يفعله بعض الجهلة قليلو اليقين باللّه عند ضيق ذات يدهم أو حدوث أمر يعجزهم تدبيره أو مفاجأة بمعيبة أخرى أو غير ذلك ، فإنّ قتل النفس أشد من قتل الغير إثما عند اللّه ، لأن من يقتل غيره يوشك أن يتوب ويؤدي ديته أو تعفي عنه ورثته فلا يبقى عليه إلا حق اللّه وهو مبني على المسامحة ، واللّه
أكرم مرجوّ أن يعفو عنه بعد أن عفا عنه عبده واللّه سبحانه أكرم منه ، أما قتل النفس فلا يتيسر فيه شيء من ذلك روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى خالدا مخلدا فيها أبدا ، ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمّه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا.