وحين ندقق النظر في الرواسب التي حملها المجتمع المسلم من المجتمع الجاهلي الذي منه جاء , والتي تعالج هذه السورة جوانب منها - كما تعالج سور كثيرة جوانب أخرى - قد ينالنا الدهش لعمق هذه الرواسب , حتى لتظل تغالب طوال هذه الفترة التي رجحنا أن آيات السورة كانت تتنزل فيها . . ومن العجب أن تظل لهذه الرواسب صلابتها حتى ذلك الوقت المتأخر . . ثم ينالنا الدهش كذلك للنقلة البعيدة السامقة الرفيعة التي انتهى إليها هذا المنهج العجيب الفريد , بالجماعة المسلمة . وقد التقطها من ذلك السفح الهابط , الذي تمثله تلك الرواسب , فارتقى بها في ذلك المرتقى الصاعد إلى تلك القمة السامقة . . القمة التي لم ترتق إليها البشرية قط , إلا على حداء ذلك المنهج العجيب الفريد . المنهج الذي يملك وحده أن يلتقط الكينونة البشرية من ذلك السفح , فيرتقي بها إلى تلك القمة , رويدا رويدا , في يسر ورفق , وفي ثبات وصبر , وفي خطو متناسق موزون !
والذي يدقق النظر في هذه الظاهرة الفريدة في تاريخ البشرية , يتجلى له جانب من حكمة الله في اختيار"الأميين"في الجزيرة العربية , في ذلك الحين , لهذه الرسالة العظيمة . . حيث يمثلون سفح الجاهلية الكاملة , بكل مقوماتها . الاعتقادية والتصورية , والعقلية والفكرية , والأخلاقية والاجتماعية , والاقتصادية والسياسية , ليعرف فيهم أثر هذا المنهج , وليتبين فيهم كيف تتم المعجزة الخارقة , التي لا يملك أن يأتي بها منهج آخر , في كل ما عرفت الأرض من مناهج , وليرتسم فيهم خط هذا المنهج , بكل مراحله - من السفح إلى القمة - وبكل ظواهره , وبكل تجاربه ; ولترى البشرية - في عمرها كله - أين تجد المنهج الذي يأخذ بيدها إلى القمة السامقة , أيا كان موقفها في المرتقى الصاعد . سواء كانت في درجة من درجاته , أم كانت في سفحة الذي التقط منه"الأميين"!