فسورتنا هذه لها فضلٌ عظيم هو الفضل العام الثابت للقرآن، وهي في ذاتها معجزة، ومن قرأها كما يقرأ القرآن؛ فله بكل حرف منها حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، أفضالٌ عظيمة، من قرأها أو قرأ غيرها من السور في أزمة أو ملمة؛ كشف الله كربته وقضى الله حاجته؛ حيث تقرب إلى الله بقراءة شيءٍ من كلامه؛ فهذه قربة يتقرب بها العبد من الله؛ يستوي فيها القرآن كله، وهكذا، فليس معنى أنَّ هذه السورة أو غيرها ليس لها فضيلةٌ مخصوصة؛ ليس معنى ذلك أنَّها معدومة الفضل أو ناقصة الفضل؛ إنِّما فضلها عظيم، غير أنَّ بعض السور جعل الله لها خصوصيةٌ معينة، وكان قد سبق لنا حديثٌ في ذلك، آياتٌ وخصوصيات.
سورة النساء تناولت موضوعات عديدة، نذكر رؤوسها؛ لطولها وكثرة موضوعاتها، بدأت السورة في الآية الأولى منها ببيانِ أنَّ البشرية كلها أسرة واحدة، وينبغي عليهم كأسرة واحدة مهما كبرت وانتشرت في الأرض، ينبغي على هذه الأسرة البشرية أنْ تتواصل بما بينها من أرحام، وأنْ ترعى حقِّ القراباتِ، وأنْ تحافظ على هذه الصِّلات؛ حتَّى يعيش الناسُ كلهم في وئامٍ وتعايشٍ كريم، ووطنية واحدة في العالم كلِّه؛ ليس في بلدٍ معين، أو بين بلدين، وإنِّما في العالم كلِّه يتعايش الناس البشرَ بما بينهم من هذه الأرحام والصِّلات؛ يتعايشون عيشةً سلميةً طيبة هنيئة متعاونة هادئة فيها سكينة ورحمة، فبينهم علاقة الرحم؛ ولذلك تلاحظ -أخي الكريم- أنَّ القرآن الذي نزل في المدينة كثر فيه النداء على المؤمنين أو على المجتمع المخاطب بالقرآن بعد الهجرة؛ يخاطب المؤمنين بقوله:"يا أيها الذين آمنوا"، ويكلم أهل الكتاب -اليهود والنصارى- بقوله:"يا أهل الكتاب".
أمَّا كلمة"يا أيها الناس"؛ فكثرت في مكة قبل الهجرة [8] ، ومع ذلك؛ وهذه السورة توصي بأحكام وآداب يغلبُ عليها الطابع والشكل الاجتماعي؛ إلَّا أنَّ الله -تعالى- يستفتحها بقوله:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ" [9] ، وكان المنتظر أن تستفتح السورة بقول الله -تعالى-"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا"، فلماذا نادى على الناس جميعاً؟