ثم أخبر عن ذلة أهل الدنيا وعزة أهل التقى في العقبى بقوله تعالى: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ} [آل عمران: 196] ، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى خاطب النبي صلى الله عليه وسلم بخطاب {لاَ يَغُرَّنَّكَ} [آل عمران: 196] لمعنيين:
أحدهما: خطاب التكوين، إذ قال له: {لاَ يَغُرَّنَّكَ} [آل عمران: 196] ، فكان كما قال: لا تغره أبداً، تنعم الذين كفروا وتمتعاتهم بنعيم الدنيا، يدل عليه قوله: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40] .
والثاني: خاطبهم بهذا الخطاب؛ ليعلم أمته أنه صلى الله عليه وسلم مع كمال مرتبته وقوته خوطب بهذا؛ لاحتمال وقوعه في ورطة الغرور بالدنيا وتمتعاتها، فلا يأمن أحد على نفسه وتوقانها عن ورطة الغرور بها، ولا يغتر بغرور الشيطان، كما قال تعالى: {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [فاطر: 5] ، فإنها {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} [آل عمران: 197] ؛ وهي مشرب النفوس الأمارة بالسوء، وصواحبها ذلك أيام قلائل، {ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} [آل عمران: 197] ، البعد عن الحضرة ودركاتها، {وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 197] .