ثم أخبر عن إصابة المصيبة أنها من شؤم النفس الخبيثة بقوله تعالى: {أَوَلَمَّآ أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا} [آل عمران: 165] ، إشارة في الآية: إن المؤمن إذا أصابته مصيبة يصيب مثلها من كفارة الذنوب ورفعة الدرجات، وإن أصابته تلك المصيبة من شؤم ما اكتسبت أيديكم، {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165] أن يجعل المصيبة كفارة للذنوب ورفعة للدرجات، وأن يغفر الذنوب ويرفع الدرجات من غير مصيبة، كقوله تعالى: {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} [المائدة: 15] ، وقال تعالى: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} [غافر: 15] ، {وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 166] ؛ أي: ببلائه وابتلائه لكم، {وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 166] ، {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ} [آل عمران: 167] ؛ أي: ليبتلي المؤمنين منه ببلاء حسن في بذل الروح والصبر والثبات على قدم الجهاد في سبيل الله، ويميزهم عن المنافقين، وليظهر نفاق الذين نافقوا بقعودهم عن القتال وحب الحياة واختيار الدنيا على الآخرة، وإظهار نفاقهم وكذبهم عند قولهم: {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 167] ؛ يدعون بألسنتهم أتباع المجاهدين في سبيل الله، وليس في قلوبهم شوق إلى الله ومحبته، ولا يتعرضون لتذر الروح شوقاً إلى لقائه وطلباً لرضائه ولأنوار الإيمان، {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران: 167] ؛ أي: أعلم منهم بما يكتمون في أنفسهم من صفات الكفر والنفاق، وبما جبلت عليه أنفسهم في أصل الخلقة