ثم أخبر عن لين القلوب أنه برحمته علام الغيوب بقوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159] ، إشارة في الآية: إن كل لين يظهر في قلوب المؤمنين بعضهم على بعض، فهو برحمته الله ونتيجة لطفه مع عباده إلا من خصوصية أنفسهم، {إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف: 53] ، وإن كانت نفس الأنبياء - عليهم السلام - حتى قال الله تعالى لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159] ؛ يعني: لين قلبك للمؤمنين كان من رحمة الله التي أرسلنا على قلبك إليهم لا من رحمتك، فالله تعالى يمن على النبي صلى الله عليه وسلم بهذا ويقول له: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ} [آل عمران: 159] ؛ يعني: ولو كنت باقياً على فظاظة خلقك، وقساوة قلبك قبل أن تشرح صدرك وتغسل قلبك وتنظر إليه بنظر المحبة، ونرسل إليه الرحمة لتلين جمالهم {لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] ، تفرقوا عن صحبتك من خشونة قلبك وغلظة فعلك، وقلة صبرك وتحملك على أذاهم، وكما أنك لنت لهم برحمتنا {فَاعْفُ عَنْهُمْ} [آل عمران: 159] بعفونا، {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [آل عمران: 159] بنغفرتنا، {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] ، فإن القلوب للعفو عنها المغفور منورة بصفات عفونا ومغفرتنا، فهو مؤمنة في الإشارة منها فإنها تنظر بنور ربها، وكل قلب ينظر بنور الحق لا يرى إلا الحق فيكون صادقاً فيما يرى، كما قال تعالى: