يعني: من كانت همته في الطلب التبتل إلى الله تعالى بالكلية والتوحيد إليه بخلوص النية وصفاء الطوية، ويقطع بقدم الصدق مفاوز البشرية، تستقبله ألطاف الربوبية وتنزله مقام العندية قبل خروجه بالصورة عن الدار الدنيوية؛ {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ} [آل عمران: 145] ؛ يعني: من كان مشربه من الأعمال لا من الأحوال، ولا يزعجه الشوق المبرح عن مألوفات الطبع، فيسير بقدم الشرع ومقصده نعيم الجنان لا بمقصوده يوجه به، يدل على هذا التصريح قوله تعالى: {رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} [البقرة: 201] ، والحسنة ما أشرنا إليها في معنى الثواب، وحمل الثواب على هذا المعنى أولى من حمله على معنى إرادة الدنيا؛ لأن الثواب يستعمل بضد العقاب وإرادته هي عين العقاب؛ ولأنه ما ذكر الله تعالى عقيب قوله: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} [آل عمران: 145] ، {وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} [الشورى: 20] ، كما قال تعالى في قوله: {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} [الشورى: 20] وله نظائر كثيرة، وقال في عقبه: {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 145] ، وهذا وعد لا وعيد، والوعد يذكر عند فعل مقبول محمود، والوعيد يذكر عند فعل مردود ومذموم؛ والمعنى: سوف نجزي كلا الفريقين على قدر شكرهما، وهو رؤية النعمة، وجزاء الشكر ازدياد النعمة، فمن عمل شوقاً على الجنة فقد رأى نعمة الجنة فثوابه في الآخرة، ومن عمل شوقاً إلى الحق تعالى، فقد رأى نعمة وجود المنعم فثوابه في الدنيا؛ لأنه حاضر لا غيبة له، قريب لا بعيد،
{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4] ، وقال:"ألا من طلبني وجدني، ومن تقرَّب إليّ شبراً، تقرَّبت إليه ذراعاً".