ثم أخبر عن المؤمن المقلد أنه هو الذي يريد العقبى بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ} [آل عمران: 145] ، إشارة في الآية: إنه لا يكون للنفس أن تموت عن أوصافها الدنية وأخلاقها الردية ويتخلص منها بطبعها إلا بإذن الله تعالى وأمره ونظر عنايته وجذبه فضله ورحمته، كما أن ظلمة الليل لا تنتهي إلا بإشراق طلوع الشمس، فكذلك ظلمة ليل النفس لا يغيب إلا بإشراق أنوار الربوبية، كما قال: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ} [الزمر: 69] ؛ {كِتَابًا مُّؤَجَّلاً} أي: كتابة من الله مؤجلة بوقت تعينه ومشيئته، كما قال تعالى: {كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ} [المجادلة: 22] ؛ أي بقلم العناية من نور الهداية.
ثم اثبت للعبد كسباً في طلب الهداية واستجلاب العناية بقوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} [آل عمران: 145] ، والإشارة فيه: إن ثواب الدنيا هو أنواع الكرامات التي خص الله تعالى بعض خواصه في الدنيا من العلوم اللدنية الربانية، والكشوف والشهود الروحانية النورانية، وغيرها مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أولئك الذين نفذ الله لهم الوعد، كما قال الصوفي ابن وقته في معناه:
أنشدوا خليلي هل أبصرتما أو سمعتما ... بأكرم من مولى تمشي إلى عبد
أتى زائراً من غير وعد وقال لي ... أصونك عن تعذيب قلبك بالوعد