ثم أخبر عن الاعتصام بالله وهو تقوى الله بقوله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ َاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] ، إشارة في الآية {َاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] ؛ أي: اتقوا عن وجودكم بالله وبوجوده، فإن وجودكم مجازي ووجوده حقيقي، وإن الدين الحقيقي الذي عند الله الإسلام؛ وهو أن يسلم العبد وجوده المجازي في ابتغاء الوجود الحقيقي نفياً للشركة وإثباتاً للوحدة، وهذا تحقيق قوله تعالى: {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] ؛ أي: لا ينتفي وجودكم المجازي إلا بتسليمكم للوجود الحقيقي فافهم جيداً.
ثم أخبر عن طريق التسليم الذي هو الدين القويم {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً} [آل عمران: 103] ، إشارة في الآية: إن أهل الاعتصام طائفتان:
أحدهما: أهل الصورة وهم المتعلقون بالأسباب؛ لأن مشربهم الأعمال.
والثانية: أهل المعنى وهم المنقطعون عن الأسباب، لأن مشربهم الأحوال، فقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ} [الحج: 78] ؛ أي: متصوركم ومقصودكم، وفيه معنى آخر؛ أي: ناصركم ومعينكم على الاعتصام وقال للمتعلقين بالأسباب الذين مشربهم الأعمال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً} [آل عمران: 103] ؛ وهو كل سبب يتوصل به إلى الله، فالمعتصم بحبل الله: هو المتقرب إلى الله بأعمال البر ووسائط القربة، والمعتصم بالله: هو الفاني عن نفسه الباقي بربه، ثم قال تعالى: {وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [آل عمران: 103] ؛ لأن ترك الاعتصام بأعمال البر ووسائط القرب موجب للتفرق في الظاهر والباطن.
فأما في الظاهر: فيلزم منه مفارقة الجماعة وقد قال صلى الله عليه وسلم:"من فارق الجماعة، فاقتلوه كائناً من كان".